كتاب وأراء

استعلاء مقيت.. عن أي أعراق صافية نتحدث؟

في تغريدة له على «تويتر» نشرها قبل أيام الممثل اللبناني (يوسف الخال)، قال في معرض دفاعه عن (العهد السياسي الجديد) في لبنان والمطالب بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، بما معناه أن «من لا يعجبه الوضع ليغادر لبنان فلبنان فينيقي ونحن فينيقيون ولسنا عربا»! ولمن لا يعرف فالممثل يوسف الخال من أصل سوري، والده هو الشاعر الراحل المعروف يوسف الخال.
مؤسس مجلة شعر الشهيرة مع الشاعر أدونيس في خمسينيات القرن الماضي، ووالدته هي الشاعرة والرسامة مها بيرقدار، والاثنان سوريان بالمولد والهوية، وحصلا على الجنسية اللبنانية لاحقا! التغريدة طبعا، حصلت على ردود عديدة مؤيدة ومناهضة، شأن كل الآراء المتعلقة بالوضع السياسي أو الاجتماعي العربي حاليا! وهذا برغم أنه أظهر مقدار الكراهية وعدم القدرة على تقبل الاختلاف لدى العرب، إلا أنه يحمل في طياته بوادر العافية، فهو بمثابة التدريب على النقاش وتبادل الآراء واكتشاف الاختلاف، رغم كل العنف اللفظي الذي يظهر في النقاشات أو الردود على أي رأي! ويسجل لوسائل التواصل الاجتماعي الفضل في هذا التدريب العربي اليومي على النقاش، إذ أصبحت منصات ومنابر مهمة للعرب، خصوصا في هذه المرحلة الصعبة والاستثنائية من التاريخ العربي الحديث!
من النقاشات التي أصبحت شبه يومية لدى العرب، ما أثاره الممثل اللبناني في تغريدته عن فينيقية لبنان، إذ بدأت، قبل سنوات قليلة، نزعة التنصل من العروبة تظهر لدى كثر من المتكلمين باللغة العربية، وتزامنت هذه النزعة مع التنامي القوي لظهور داعش والتنظيمات الجهادية التي تطالب بعودة الخلافة الإسلامية، الأمر الذي حدا بالكثيرين للبحث عن هويات أقدم من الهوية الإسلامية هربا من الانتماء الداعشي، أو خشية الانتساب إليهم.
لم يستطع الانتماء إلى الهوية العربية أن يكون هو النجاة من الانتساب الداعشي، إذ تم عبر عقود طويلة دمج العروبة بالإسلام، بحيث تصبح الهوية العروبية هوية إسلامية، وتعزز هذا لدى الغرب الذي وضع ختم الإرهاب على كل عربي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2000، وما تلا ذلك من متغيرات مهولة في الشأن السياسي والعسكري العالمي، ثم مع الربيع العربي وتصدر التيارات الإسلامية وظهور العديد من التنظيمات الجهادية التي فتكت بسكان المناطق التي احتلتها، وانتقلت بعملياتها إلى الغرب، ومع ازدياد عدد اللاجئين العرب إلى أوروبا، واستغلال اليمين العنصري العمليات الإرهابية في أوروبا ليسقطها على اللاجئين المسلمين والعرب، وهذا ما جعل كثيرا من العرب ينشغلون بالبحث عن هوية تاريخية أبعد من الهوية العربية والإسلامية، فظهرت النزعة الفينيقية لدى اللبنانيين وسكان الساحل السوري، وظهرت النزعة الفرعونية المصرية لدى الكثير من المصريين، وظهرت الآشورية لدى بعض سكان العراق والجزيرة السورية، وبدأ ظهور السريان والكلدان والآراميين، وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصفحات تختص بهذه الأعراق وتتحدث عن الصفات الجامعة لكل منها، والتي تثبت -بما لا يقبل الشك لأصحابها- بعدهم كل البعد عن العرب والعروبة وكل ما يمت لها بصلة، معتبرين أن العرب هم سكان شبه الجزيرة العربية فقط، الذين تطالهم الكثير الشتائم بوصفهم مجرد (عرب وبدو) في استعلاء مقيت لا يمت للحضارة بأية صلة.
والغريب أن أصحاب هذه النزعة (الشوفينية) الذين يتخذون من التاريخ مرجعا لانتماءاتهم، لا يقرؤون التاريخ جيدا على ما يبدو، ففكرة الأعراق القديمة الصافية فكرة مضحكة جدا، إذ خلال آلاف السنوات التي مرت على الحضارات التي ينسبون أنفسهم لها، تهدمت مدن وحضارات وبنيت أخرى، وتهجرت شعوب وأتت أخرى وتلاقحت أقوام ونتجت سلالات بشرية جديدة تحمل صفات وجينات وطبائع مختلفة ومتنوعة ومختلطة، وتعرضت مجتعات تلك الحضارات لاحتلالات عديدة، استُعمرت من قبل غيرها، واستَعمرت غيرها، وتزاوجت وبدلت معتقداتها، وتطبعت بطبائع جديدة، بحيث لا يمكن الحديث اليوم عن عرق عربي صافي ولا فينيقي ولا فرعوني ولا أي عرق آخر، ما نحن عليه اليوم هو نتاج عصور حضارات البشرية ونتاج عصور انحطاطها أيضا، كل حديث عن عرق صافي هو شوفينية مقيتة وعنصرية مريضة تضاف إلى سلسلة الأمراض المجتمعية العربية التي أصبحت لا تعد ولا تحصى، والتي يمكن وضعها حاليا في خانة وحيدة فقط: المجتمعات العربية في حالة مخاض عسيرة جدا، ستفرز كل أمراضها وما اكتنفته فيها عقود الاستبداد الطويلة جدا، قبل أن تعود للاستقرار والتعافي، وهذا سيحتاج زمنا طويلا وأجيالا لا يمكن لأحد التنبؤ بعددها.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران