كتاب وأراء

ماسح الأحذية السخي ثقافة التبرع التي تفعل المستحيل

حسان يونس
كاتب سوري
دأب الأميركي ألبرت ليكسي على ممارسة مهنة «مسح الأحذية» قرب مستشفى للأطفال في مدينة بيتسبيرغ الأميركية، وهو يتقاضى عادة «5» دولارات عن مسح الحذاء الواحد، وكل مبلغ إضافي يدفعه الزبائن على سبيل الإكرامية أو «البقشيش»، كان يذهب به ليكسي في آخر نهار العمل إلى المستشفى للتبرع به.
بعد«32» عاما قررت إدارة المستشفى تكريمه على سخائه، إذ وصل إجمالي المبلغ الذي تبرع به خلال هذه السنوات «200» ألف دولار، مكنت الكثير من الأطفال الفقراء من تلقي العلاج.
ثقافة التبرع هذه ساعدت الكثير من الفقراء على تلقي العلاج، وساعدت كثيرين غيرهم على الدراسة في أرقى الجامعات، وجميعنا سمعنا بقرار كلية الطب في جامعة نيويورك تقديم منح دراسية لكافة الطلاب ستجعل برنامجها الدراسي المكلف مجانيا، بسبب سخاء المتبرعين.
ثقافة التبرع ترجمة للتكاتف والتآزر بين أفراد المجتمع، والجامعات الأفضل في العالم تتلقى التبرعات مهما كان حجمها، فبمقدور أي شخص التبرع بدولار واحد، أو بملايين الدولارات، كما فعل قطب صناديق التحوط جون بولسون، عندما تبرع لجامعة هارفارد، التي تخرج فيها، بـ«400» مليون دولار قبل عدة أعوام، قائلا إنه يدين بالفضل في نجاح شركته التي تبلغ قيمتها 19 مليار دولار لكلية الاقتصاد في هذه الجامعة العريقة.
عام 1884 قصد ليلاند ستانفورد وزوجته جين أثروب ستانفورد جامعة هارفارد الشهيرة ودخلا مكتب رئيس الجامعة وطلبا مقابلته دون أن يكونا قد حصلا على موعد مسبق، غير أن مديرة مكتب الرئيس رأت، من وجهة نظرها، وبسبب ملابسهما المتواضعة أنهما غير جديرين بذلك وبالتالي أخبرتهما بأن الرئيس مشغول جداً ولن يستطيع استقبالهما في وقت قريب، ولكن سرعان ما جاء رد السيدة الريفية حيث قالت بثقة: (سوف ننتظره)، وظل الزوجان ينتظران لساعات طويلة أهملتهما خلالها السكرتيرة تماماً، على أمل أن يفقدا الأمل والحماس البادي على وجهيهما وينصرفا، ولكن هيهات، فقد حضر الزوجان فيما يبدو لأمر هام جدا.
ومع انقضاء الوقت وإصرار الزوجين، بدأ غضب السكرتيرة يتصاعد، فقررت مقاطعة رئيسها، ورجته أن يقابلهما لبضع دقائق لعلهما يرحلان.
هز الرئيس رأسه موافقاً بغضب وبدت عليه علامات الاستياء، فمن هم في مركزه لا يجدون الوقت لملاقاة ومقابلة إلا علية القوم فضلاً عن أنه يكره الثياب الرثة وكل من هم في هيئة الفلاحين، لكنه وافق على رؤيتهما لبضع دقائق كي يضطرا بعد ذلك للرحيل.
وحينما دخل الزوجان إلى مكتب الرئيس قالت له السيدة إنه كان لهما ولد يدرس في هذه الجامعة لمدة عام ثم توفي في حادث، وبما أنه كان سعيداً خلال الفترة التي قضاها في هذه الجامعة العريقة، فقد قررا تقديم تبرع للجامعة لتخليد اسم ابنهما.
لم يتأثر الرئيس كثيراً بما قالته السيدة، بل ردّ بخشونة:
- سيدتي، لا يمكننا أن نقيم مبنى ونخلد ذكرى كل من درس في هارفارد ثم توفي وإلا تحولت الجامعة إلى غابة من المباني والنصب التذكارية.
وهنا ردت السيدة:
- نحن لا نرغب في وضع تمثال له، بل نريد أن نهب مبنى يحمل اسمه لجامعة هارفارد.
لكن هذا الكلام لم يلق أي صدى لدى رئيس الجامعة، فرمق بعينين غاضبتين ذلك الثوب القطني والبزة المتهالكة ورد بسخرية:
-هل لديكما فكرة كم يكلف بناء مثل هذا المبنى. لقد كلفتنا مباني الجامعة ما يربو على سبعة ملايين ونصف المليون دولار.
ساد الصمت لبرهة ظنّ خلالها الرئيس أن بإمكانه الآن التخلص من هذين الزوجين، لكن السيدة استدارت نحو زوجها قائلة له:
- سيد ستانفورد: ما دامت هذه تكلفة إنشاء الجامعة كاملة، فلماذا لا ننشئ جامعة جديدة تحمل اسم ابننا ؟
هزّ الزوج رأسه موافقاً، ثم غادر الزوجان وسط ذهول وخيبة الرئيس، وسافرا إلى كاليفورنيا، حيث أسسا هناك جامعة ستانفورد العريقة التي مازالت تحمل اسم عائلتهما وتخلد ذكرى ابنهما الذي لم يكن يساوي شيئاً لرئيس جامعة هارفارد.
ثقافة التبرع تفعل المستحيل.hassan@al-watan.com

حسان يونس