كتاب وأراء

مــصــر .. ولا يزال التنازل مستمرًا ! «1»

لا أدري إلى متى سيستمر النظام العسكري في مصر بعهوده المختلفة في التعامل مع الشعب المصري بمفهوم الوصاية وأنه كالقاصر الذي لا يمتلك أي حق في معرفة أو مناقشة أو التعليق أو التأثير على ما يدور في أروقة السلطة الحاكمة وما تتخذه من قرارات وما تعقده من اتفاقيات داخل حدود الدولة وخارجها وخاصة عندما تمس تلك القرارات والاتفاقيات أساسيات الحياة لكافة طوائف الشعب بلا استثناء،
وتأكد في السنوات الست الأخيرة أن مصر مختطفة حرفيًا ويتم التنازل عن مقدراتها وثرواتها والتفريط في حقوقها التاريخية ومسلمات أمنها القومي بالجملة، ويخرج النظام بين الحين والآخر معلنًا عن فشل جديد، لكن الموجع في الأمر أن الفشل يتم إعلانه في صيغة الانتصار في استهتار واضح بعقلية الشعب المصري والإمعان في تصوير ما يجري وكأنه فرض وترسيخ للأمر العسكري الواقع والقدر الذي يستحيل تغييره.
في 16 سبتمبر 1978 قام محمد إبراهيم كامل وزير خارجية مصر حينها بالاستقالة اعتراضًا على بنود اتفاقية كامب ديفيد قبل توقيعها بيوم واحد وبعد أقل من عشر شهور على توليه المنصب وقال فيما بعد عن أسباب الاستقالة ضمن كتابه «السلام الضائع في اتفاقية كامب ديفيد» إن المشكلة ليست في الموقف الإسرائيلي المتشدد ولا الخنوع الأميركي لإسرائيل ولكن المشكلة الحقيقية في الرئيس السادات نفسه فقد استسلم للرئيس كارتر تمامًا بينما استسلم الأخير بدوره لمناحم بيغن، ووصف اتفاقية كامب ديفيد بأنها «مذبحة التنازلات» بل وصل به الأمر لوصف الدور الذي لعبه السادات لتوقيع الاتفاقية الكارثية النتائج على مصر والمنطقة العربية والقضية الفلسطينية أن قام بتشبيهه بدور «فيدكون كويسلنغ» الذي سهل استيلاء القوات النازية على بلاده النرويج أثناء الحرب العالمية الثانية في التاسع من أبريل 1940 بل وسبق الاحتلال مع أتباع حزبه «الحزب الوطني» بالاستيلاء على الكثير من المراكز الحيوية في البلاد ونشر الشائعات عن انتصار الألمان. جدير بالذكر أن كويسلنغ تولى منصب وزير الدفاع في النرويج خلال الفترة من 1931 إلى 1933، وسيذكر التاريخ إلى ما شاء الله الدور والموقف البطولي لمحمد إبراهيم كامل حين رفض أن يكون جزءًا من اتفاق فيه افتئات واضح على حقوق مصر وشعبها وتضييع لجهود قواتها المسلحة أثناء حرب أكتوبر 1973، ومن الأشياء التي تدعو للعجب ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على توقيعها فلا تزال هناك بنود في الاتفاقية لا يعلم الشعب المصري عنها شيئا والحجة دائمًا جاهزة وهي مقتضيات الأمن القومي، وبئس الحجة، فكيف سيستقيم الأمن القومي والحفاظ عليه حين يتم امتهان الشعب وقهره وحرمانه من أبسط حقوقه ومتطلباته، وهو الشعب نفسه الذي يتم الزج به في الخطوط الأمامية لجبهات القتال حين تقتضي الضرورة، وما عقدت اتفاقية إلا وكان مدادها من دمائه.
المغزى من استدعاء حادثة محمد ابراهيم كامل في ذكراها الـ 41 هو التأكيد على شيء جوهري انفردت به السلطة الانقلابية الحالية خلافا لكل العهود السابقة، وهو غياب أي صوت رسمي قد يختلف مع رأس النظام «عبدالفتاح السيسي» حين يتعلق الأمر بأمر مصيري سيؤثر على الدولة برمتها لعقود ويهدد استقرارها وتماسك وحياة شعبها، فبينما خاض محمد ابراهيم كامل معركته مع السادات ثم استقال وتبعه سعد الدين الشاذلي رئيس أركان القوات المسلحة أثناء الحرب وسفير مصر بالبرتغال أثناء توقيع الاتفاقية وآخرون، نجد هنا وزير الخارجية سامح شكري يترك السيسي يوقع اتفاقية تنازل فيها عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل ليشتبك في معارك مستمرة مع ميكروفون قناة الجزيرة ويفرد الإعلام ساعات من البث لتغطية انتصار وزير الخارجية الجسور ويهاجم في نفس الوقت أي شخص يحاول إثارة التساؤلات عن مصير مصر وحصتها في مياه النيل حال قيام إثيوبيا بالبدء في ملء الخزان وتشغيل السد دون النظر لما قد يترتب عليه من نقص في الحصة المصرية ولم تكلف نفسها عناء التفكير في هذا ولديها توقيع الجنرال دون قيد أو شرط بالموافقة ولا يمكن بأي حال من الأحوال استبعاد التحريض الاسرائيلي على هذا التوقيع الذي سيحيي أملها في وصول مياه النيل إليها ثمنًا لوساطتها بين مصر التي يجلس حليفها صاحب نظرية السلام الدافئ في سدة الحكم فيها وبين إثيوبيا التي تربطها علاقات وثيقة بها.
(يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري