كتاب وأراء

الانفصال ورحيل الزعيم

مرّت قبل يومين ذكرى حدثيـن مهـميـن في منطقـتـنا العربيـة في النصـف الثاني من القـرن العـشـرين، الأول انفـصال ســورية عن الجمهـورية العربيـة المتحـدة في 28/9/1961 بعـد وحـدة دامت أكثـر بقـليل مـن ثلاث سـنوات ونصـف وأعلنـت في 22/2/1958 وعـرف ذلك الحدث منذ ذلك اليـوم بالانـفصال، حتى صارت الكلمة مقصورة عليه. والثاني رحيل جمال عيد الناصر الذي يصر كثيرون على تسميته «زعيم الأمة» في 28/9/1970
قيل الكثير عن أسباب الانفصال، وكتب الكثير عن العوامـل التي دفعـت الشـعب السـوري إلى الترحيب بالانفصال وهو شـعب الوحدة بلا منازع، قبل بالأمير فيصل بن الشـريف حسـين ملكاً على سورية عام 1918، وهـو لا يعرفـه، حتى طردتـه فرنسـا، فأخذته بريطانيـا وجعلتـه ملكاً على العراق، واختار عبد الناصر رئيسـاً، ولم يكن السوريون قد رأوه حين حملوا سيارته بمن فيها على الأعناق. استند المدافعون عن الوحدة وعـن عـبد الناصر عـلى نظرية المؤامـرة الخارجية المتهـم بها كالعـادة في تلك الأيام ثلاثي «الاستعمار والصهيونية والرجعية»، وقيل (وكله صحيح) إنها كانت مرتجلة، وإن أي دراسة لم تسبقها، وإن عبد الناصر جعل سورية «مزرعة» للمصريين، لكن الأهم أن سورية كانت قد عاشت بعد الانقلاب على الشـيشـكلي 1954 نعـيم حياة ديمـوقراطيـة تحسـدها دول متـقـدمة عـليها الآن، ويحلم السـوريون بتحقـيق عشـرة بالمائـة منها: برلـمان يضـم جميـع ألوان الطيـف السـياسـي من الإخـوان المسـلميـن إلى الشـيوعيين مروراً بالبعـث والقوميين السـوريين والكتلة الوطنية وحزب الشعب وغيرها، صحافة حرة، نقابات، انتخابات حقيقية وغير ذلك.
حتى إن جمال عـبد الناصر ذهـب إلى الكرملين لإقناع خروشـوف بوجهة نظره وسـأله: لماذا أنتم ضد هـذه الوحدة؟ قال خروشـوف: لأنهـا وحـدة لن تدوم. السـوريون نشـؤوا على الحريـة. وهـم ميسـورون وبورجوازيون، ولن يطيقوا طويلاً قيود الوحدة معكم.
جاء عـبد الناصر فـقضى على هذا كله: ألغى الأحـزاب وأوقـف الصحف والمظاهرات، اخترع الاتحاد القومي كحزب وحيـد ضـم جميع الانتهازيـين، أطلق يد المخابرات في حكم البلـد، اخترع عبادة الحاكم الأوحد، وعلم جميـع الحكام العـرب أن يكون الإعـلام مكرسـاً لرسـم صورة براقة لهذا الحاكم، ويمكننا القـول بكل اطمئنان إن جميع الديكتاتوريات العربيـة نشـأت في مدرسـة عبد الناصر، وقارنـوا بين عبد الناصر وأي ديكتاتـور عربي آخر، مع أفضليـة لـلزعيم في نظافة اليـد وعدم تقريب الأقارب والأسرة.
لم يؤد الانفصال إلى انهيار الجمهورية العربيـة المتحـدة فحسـب، بل إلى نـفور العرب من أي مشـروع وحدوي، ولم تقم بعده للوحدة قائمة.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين