كتاب وأراء

أيضحك مأسور وتبكي طليقة

قرأت قبل أيام موضوعاً حول تطوير اللغة الإنجليزية، وحذف حروف منها، أو إيجاد بدائل لها، ومما يضايقهم الحرفان Ph وينطقان معاً F مثل كلمة philosophy أي فلسفة، وتذكرت أنني سمعت مرة امرأة تتحدث الإنجليزية ولم أعد أتذكر جنسيتها، وكانت تهاجم الإنجليزية فقالت: ما هذه اللغة السخيفة؟ لماذا تبدأ كلمة although بالحرف A ؟ وما فائدة وجود الحرفين الأخيرين في الكلمة، مع أن الحرفين ينطقان أحياناً كالحرف F كما في كلمة enough ؟ واختصر الأميركيون بعض الحروف، فهم يقولون ويكتبون color (لون) بينما الكلمة في الإنجليزية colour.
وتذكرت قصيدة للشاعر أبي فراس الحمداني من رومياته، أي القصائد التي قالها في الأسر عند الروم، والقصيدة مشهورة بعد أن غناها ناظم الغزالي:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سالي
إذا كنت تشتكين قواعد الإنجليزية، فماذا يقول مثلي عن قواعد العربية؟
من المعروف لدى المختصين باللسانيات أن (قواعد) اللغة العربية من أصعب القواعد بين لغات العالم، ونعني النحو والصرف، ويقوم علم النحو بدراسة تأليف الجملة، حيث يقدم جميع الأساليب والضوابط التي ترتبط بها الجملة، والأصول العامة للجملة، كما أنّه يقوم بدراسة الظواهر التي تكتسبها الجملة نتيجة موقعها في سياق الكلام، ويبحث أيضاً في المعاني النحوية، ومنها: الابتداء، والفاعلية، والمفعولية، وكذلك يقوم بالبحث في الأحكام النحوية مثل: التقديم، والتأخير، والإعراب، والبناء، والذكر، والحذف، وبالتالي فإنّ علم النحو يختص بدراسة الإعراب وتكوين الجملة.
الصرف لغة هو التغيير، ويُقال له أيضاً التصريف، أمّا اصطلاحاً فالصَّرف هو عِلم يدرس التغيير الذي يطرأ على بُنيَة الكلمة وصيغتها، وما يطرأ عليها من تغيير، كالزيادة، أو النقصان، أو الإبدال والقلب، وغير ذلك. والنحو والصرف علمان يكمل كل منهما الآخر، إذ إنّ النحو يوضح إعراب الكلمة وبناءها، والصرف يوضح التحولات والتغيرات التي تجري على الكلمة وأقسامها، ولا تتضح المسألة دون أمثلة أصل الكلمات كلها «الجذر» وجَذرُ كل شيء أصله، والمعجم مرتب حسب جذور الكلمات، فإذا أردت البحث عن كلمة، يحب أن أعود إلى جذرها، أي أن أجرد الكلمة من أي زيادات لحقت بها..
واللغة العربية أوسع اللغات وأغناها، والسبب الأول سعة اللغة العربية وغناها وضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي، ففي اللغة اللاتينية سبعمائة جذر لغوي فقط، وفي الساكسونية ألفا جذر، بينما في العربية ستة عشر ألف جذر لغوي، يضاف إلى هذه السعة سعة أخرى في التفعيل والاشتقاق والتركيب.. ففي الإنجليزية مثلا لفظ Tall بمعنى طويل، ولكنا نجد أن اللفظة العربية تخرج منها مشتقات وتراكيب بلا عدد طال يطول وطائل وطائلة وطويل وطويلة وذو الطول ومستطيل.. إلخ، بينما اللفظ الإنجليزي Tall لا يخرج منه شيء.
الملاحظة نفسها في لفظة أخرى مثل Good بالإنجليزية وجيد بالعربية، ولكنا نجد كلمة جيد يخرج منها الجود والجودة والإجادة ويجيد ويجود وجواد وجياد... إلخ، ولا نجد لفظ Good يخرج منه شيء.
ثم نجد في العربية اللفظة الواحدة تعطي أكثر من معنى بمجرد تلوين الوزن.. فمثلا قاتل وقتيل وفيض وفيضان ورحيم ورحمن ورضى ورضوان وعنف وعنفوان.. اختلافات في المعنى أحيانا تصل إلى العكس كما في قاتل وقتيل، وهذا التلوين في الإيقاع الوزني غير معروف في اللغات الأخرى.. وإذا احتاج الأمر لا يجد الإنجليزي بداً من استخدام كلمتين مثل Good & Very Good للتعبير عن الجيد والأجود.
وسأعطيك يا سيدتي أمثلة أخرى. ليس في الإنجليزية مثنى، فنحن نقول في العربية: رجل ورجلان ورجال، بينما يقولون في الإنجليزية Man والجمع Men وإذا أرادوا ترجمة «رجلان» اضطروا إلى استخدام كلمتين Two Men، ولدينا فعل للمثنى بل فعلان، واحد للمثنى المذكر، وآخر للمثنى المؤنث، مثل قالا وقالتا، بل إن ضمير المخاطب في الإنجليزية واحد للمفرد والمثنى والجمع You للمذكر والمؤنث، ويقابله في العربية أنتَ وأنتِ وأنتما وأنتم وأنتنّ.
ونأتي إلى الجمع، إذ يكفي إضافة الحرف S إلى آخر الكلمة لتحويلها من المفرد إلى الجمع ما عدا بعض الشواذ، أما في العربية فإن قواعد الجمع وحدها مبحث واسع، ينتمي من جهة إعرابه إلى علم النحو، ومن جهة صياغته إلى علم الصرف، وإذا كان الجمع هو ما دل على أكثر من اثنين أو اثنتين فما هي أنواعه وطرق صياغته وكيفية إعرابه..
لدينا أولاً جمع المذكر السالم: هو ما دل على الجمع المذكر من غير تغيير في بناء مفرده مثل معلمون، ومهندسون، وكاتبون (مفرده سلم من التغيير) وشرطه أن يكون الاسم علماً لمذكر عاقل خالياً من تاء التأنيث وغير مركب. وأن تكون الصفة لمذكر عاقل ليس من باب (أفعل الذي مؤنثه فعلاء)، ولا من باب (فعلان الذي مؤنثه فعلى) ولا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، وأن تكون خالية من تاء التأنيث مع قبولها، فإن لم تقبلها وجب أن تدل على التفضيل، وثمة تفصيلات حول جمع المنقوص والممدود والملحقات بهذا الجمع مما لا يتسع المجال لذكره.
ثم جمع المؤنث السالم: ما جُمع بألفٍ وتاءٍ زائدتين، مثل: «هندات، مرضعات، فاضلات».
طريقة جمعه: تجمع الكلمة هذا الجمع بزيادة ألف وتاء مبسوطة دائماً، فإذا جمعت المختوم بالتاء حذفتها وجوبا كفاطمة فاطمات، أما جمع المقصور والمنقوص والممدود ففيه بعض التفصيل.
ثم جمع التكسير هو ما دل على الجمع بتغيير في بناء مفرده، ولهذا التغيير ثلاثة أشكال: • تغيير بالزيادة: طفل أطفال • تغيير بالنقصان: كتاب كتب • تغيير الحركات: أسد اُسْد.
ولجمع التكسير نوعان: جمع القلة: ما دل على العدد القليل، وهو من ثلاثة إلى العشرة، وله أربعة أوزان: أَفْعِلَة مثل: أشرطة، أعمدة، أقنعة، أَفْعُل مثل: أوجه، أنفس، أفعال مثل: أنهار، أقلام. فِعْلَة: صبية، فتية.
والنوع الثاني جمع الكثرة: ما تجاوز الثلاثة إلى ما لا نهاية، ومن أوزانه: • فُعْل: بُكْم، حمر • فُعُل: رُسُل، • فُعَل: غُرَف، لُعب • فَعَلَة: طلبة، كتبة، سحرة • فُعَلَة: رُمَاة، قضاة، • فِعَلَة: قردة • فَعْلى: مَرْضى، • فُعَّل: رُكَّع • فُعّال: قُـرّاء، حراس، حجّاج، • فِعـال: كِرَام، بحار، جبـال، صغار • فُعُول: بُحُور، قلوب، صدور، عقول، نفوس • فَعِيل: حَجِيج• فِعْلان: غِلْمان، صبيان، فئران • فُعْلان: قُمْصان • فُعَلاء: بُخَلاء، شرفاء • أَفْعِلاء: أَغْنِياء، أصدقاء، أقرباء • فِعَل: محن، منح، • فُعَلاء: شعراء، عظماء، خطباء من جموع الكثرة «منتهى الجموع» وهو كل جمع كان بعد ألف تكسيره حرفان، أو ثلاثة أحرف، وسطها ساكن: دراهم، دنانير، وله صيغ كثيرة، ولدينا اسم الجنس الجمعي والإفرادي، وجمع الجمع مثل بيت وبيوت بيوتات، والجمع لا مفرد له مثل نساء هذا جزء من مبحث واحد هو المفرد والجمع، فكيف إذا كنت سأشرح لك يا سيدتي النحو كله؟

نزار عابدين