كتاب وأراء

ترامب على صفيح ساخن !

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يأبى أن تمر بضعة شهور من فترة رئاسته الأولى المثيرة للجدل منذ بدايتها، دون أن يكون هناك حدث جديد يثير من حوله عاصفة من الاتهامات والتساؤلات، ويرد هو بكيل من الاتهامات المضادة بأنه بشخصه وبرنامجه مستهدفان لمنع عودة أميركا عظيمة من جديد، ووصل به الحال أن وصف التحقيق الذي أطلقه مؤخرًا خصومه الديمقراطيون بزعامة نانسي بيلوسي في مجلس النواب الواقع تحت سيطرتهم لبدء إجراءات عزله ومحاكمته بالانقلاب الذي يهدف إلى الاستيلاء على سلطة الشعب الأميركي في لهجة تصعيدية من حيث المصطلحات والألفاظ لم يسبقه إليها أي رئيس أميركي من الجانبين الديمقراطي والجمهوري.
بيد أن العاصفة الأخيرة ضد ترامب وتعتبر الأعنف، والتي انطلقت عقب قيام عميل للاستخبارات الأميركية منوط به مهمة الاستماع لمكالمات الرئيس ومتابعتها بحكم القانون بتقديم شكوى بشأن مكالمة هاتفية جرت في 25 يوليو الماضي، بين الرئيس الأميركي ونظيره الأوكراني فلوديمير زيلينسكي يطلب منه فتح تحقيق بشأن هانتر بايدن نجل نائب الرئيس السابق جو بايدن - ومنافسه المحتمل في الانتخابات القادمة 2020- ومساومة في صورة تلميح بتعليق مساعدات لأوكرانيا تبلغ قيمتها 400 مليون دولار لو لم يقم الرئيس الأوكراني باتخاذ هذا الإجراء الذي لو مر لكان من شأنه ضرب حظوظ جو بايدن في الانتخابات القادمة في مقتل فلم يكن المطلوب إدانته فقد سبق وبرأه القضاء الأوكراني هو ونجله من تهم فساد بل ويتفاخر بايدن بكونه السبب في طرد المدعي العام الأوكراني السابق فيكتور شوكين، من منصبه بمزاعم تورطه في قضايا فساد.
لكن كان كل ما يأمله ترامب هو استخدام الاتهام الأوكراني في تشويه بايدن سياسيًا وشعبيًا وهو ما ارتد عليه بالعكس وأصبح في مرمى خصومه الديمقراطيين المتربصين به وإن كان بقاء مجلس الشيوخ وهو المنوط به البت في المضي قدمًا في إجراءات محاكمة الرئيس وعزله من عدمه تحت سيطرة الحزب الجمهوري - حزب ترامب - يجعله مطمئنا بعض الشيء ويعلم الديمقراطيون هذا جيدًا ويعلمون جسامة الكلفة السياسية والاقتصادية على الدولة الأميركية حال تمت إدانة ترامب وعزله بدعوى إضراره بالأمن القومي الأميركي واستعانته بقوى أجنبية للتأثير في المشهد السياسي والانتخابي للرئاسة الأميركية ولكن في نفس الوقت لن يدخروا جهدًا في المضي قدمًا واستغلال هذا للنهاية في محاولة إنهاك ترامب والخصم من رصيده الجماهيري وبالتالي تقوية حظوظ المرشح الديمقراطي جو بايدن في مواجهته، وحتى لو استمرت الإجراءات فهذا لن يؤثر كثيرًا في إكمال ترامب لفترة رئاسته الأولى والتي تنتهي رسميًا في 20 يناير 2021 موعد حلف الفائز في الانتخابات التي ستجري في نوفمبر 2020 اليمين الدستورية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية.
ما يجري على الساحة الأميركية يثبت أن امتلاك الشعب لقراره وحصوله على حقوقه السياسية في ظل نظام ديمقراطي يحفظ الحقوق والحريات وتوزيع السلطات والفصل الواضح بينها وخضوع الجميع لأحكام الدستور والقانون هو أفضل ضمان للتقدم والاستقرار مهما تعقدت الأمور، هذا على الرغم من توتر المشهد السياسي الأميركي داخليًا وما فيه من تناقضات بين شخصية الرئيس ترامب التواقة للسيطرة والاستبداد تلك الشخصية المتهورة والخالية من مقومات وأبجديات العمل السياسي والمتأثرة بكونه رجل أعمال مقامرا ومغامرا شديد الزهو بنفسه ويظهر هذا بوضوح في تعامله مع ملفات السياسة الخارجية خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، ويأتي هذا كونه قادما من خارج الدائرة السياسية المعتادة، وكسر كل القواعد بصعوده الصاروخي وفوزه بسباق الرئاسة وبين طبيعة عمل مؤسسات الحكم الأميركية وتوزيع السلطات والاختصاصات بما يمنع من سيطرة جهة بعينها أو منصب بذاته على القرار الأميركي، وفي نفس الوقت أظهر عدم اطمئنان تلك المؤسسات وخاصة الاستخباراتية منها للرئيس ترامب.
وخصوصًا مع بقاء الشكوك حول تدخل روسيا في فوزه بالانتخابات الرئاسية، هذه الشكوك التي زادتها التصريحات الروسية حول أمل الكرملين عدم نشر محتويات المكالمات بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب لو حدث وتمت المطالبة بالكشف عن فحوى اتصالات ترامب بالجانب الروسي.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري