كتاب وأراء

مــن قطـــر إلى العالـــم

في رحاب الوطن
يشغل التعليم الحيز الأهم والأكبر في اهتمامات وجهود صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «التعليم فوق الجميع» وعضو مجموعة المدافعين عن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وكيف لا يكون التعليم في صدارة اهتمام سموها، وهي المشغولة دائما بضرورة حل المشكلات التي تعاني منها الإنسانية في كل مكان، ونحن جميعا نعرف أن الأمم ترتكز في تقدمها ونهضتها على أهم لبنة أساسية فيها وهي التعليم، الذي يعد أيضاً بمثابة شريان الحياة للمجتمعات في مسيرتها نحو التقدم والعلياء، وبه يتخلص الإنسان من الفقر والمرض، وبه يبدع ويفكر ويبتكر ما يصلح له شأنه وتستقيم به حياته.
سموها -حفظها الله- لخصت قيمة التعليم وأهميته في كلمة سموها كمتحدث رئيسي في المنتدى الاجتماعي لمجلس حقوق الإنسان في مطلع هذا الشهر بعبارة جامعة مانعة لا تكفيها نسخ المجلدات ولا تتسع لها صفحات الموسوعات، إذ قالت من جنيف: «لن تكون هناك أمة حينما ينعدم التعليم» فما أبلغ هذه العبارة وما أقوى معناها، لأنها نابعة من الضمير القطري الذي يحب الخير للجميع، فالتعليم إذن هو الحياة وهو التنمية المستدامة، والعلم بحر زاخر بالمعارف والأصول، وكل ما يزيد من وعي الإنسان وثقافته، ويزيد من جمال العالم وبهجته، ومما يؤكد هذه الأهمية العظيمة التي تحف بالتعليم ورود ذكره والحث عليه في آيات كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث عديدة من السنة النبوية الشريفة، فكان أول ما نزل من القرآن الكريم أمرا إلهيا بالقراءة التي هي أهم أدوات التعليم فلا يكتمل ولا يكون إلا بها، ومن هنا انطلقت الأمم جاهدة وراء التعليم، لتتخذ منه جسرا تعبر عليه من زمن الجهل إلى المستقبل الزاهر القائم على العلم والإيمان.
ما تفضلت به صاحبة السمو خلال كلمتها جسد للعالم المعنى الحقيقي للاهتمام بالتعليم وهو الحياة والوجود، كما جسد في المقابل المعنى الحقيقي لإهمال التعليم أو غيابه وهو الدمار الذي تخلفه الأزمات والتأثير طويل المدى على الأطفال والشباب نتيجة عدم حصولهم على التعليم، وتخلفهم عن المدارس.
إذن العلم بيِّن والجهل بيِّن، وعلى الإنسانية أن تختار طريق الحياة، وهذه هي الرسالة التي عاهدت قطر الله عليها وعاهدت نفسها بأن تكون صوت الخير والسلام للجميع على هذا الكوكب، من خلال تبني الدعوة للعمل وتعزيز الجهود لحماية التعليم كحق أساسي من حقوق الإنسان.
وإذا كان التعليم هو العامل الأساسي في رقي الأمم والجماعات فهو كذلك أيضا بالنسبة للفرد، فهو يساعد كل فرد في الحصول على مكانة متميزة له في المجتمع، كذلك فإن التعليم هو وسيلة لمساعدة الناس على تحسين معرفتهم وخبراتهم، فالشخص غير المتعلم لا يستطيع القراءة والكتابة، وبالتالي فهو لا يطلع على المعارف التي يمكنه اكتسابها من خلال الكتب والوسائل الأخرى، وبعبارة أوضح، فإنه يكون معزولا عن العالم الخارجي، أو يمكن تشبيهه بمن يسير في طريق مظلم لا يعرف إلى أين وصل أو إلى أين يتجه، وفي المقابل يعيش المتعلم المثقف حياة جميع نوافذها مفتوحة على العالم الخارجي، لذلك، فإن التعليم الجيد هو الذي يحدد مستقبل الفرد والمجتمع.
كعهدنا بها دائما، رفعت صاحبة السمو من قيمة قدرة الإنسان على تحقيق ما يصبو إليه فقالت: «دعونا نسخر كامل قوانا لضمان أن يحظى كل طفل بفرصة الذهاب إلى المدرسة وتلقي التعليم النوعي، وبمقدورنا القيام بذلك، ومن هذا المنطلق يتحتم علينا استحداث آليات جديدة وقوية لمعاقبة أولئك الذين يعتدون على المدارس».
فمثل هذه الكلمات تبعث الأمل في قلوب أولئك الذين يصابون بالإحباط واليأس، أو يعتقدون أن ليس في مقدورهم فعل شيء، فبالعزيمة والإصرار، والصدق والإخلاص يمكن تحقيق الأحلام، ولكي ترفع من جرعة التفاؤل أكدت سموها أن كل مشكلة ليس لها حل واحد، بل عدة حلول وعدة خيارات، إذ أثبتت التجارب المتعاقبة أن لكل منا دورا يقوم به سواء بشكل فردي أو جماعي، وينبغي أن يكون هناك نهج قائم على الانتقاء والاختيار والابتكار والإبداع، ولذلك كان من حسن التدبير تخصيص الحديث في المنتدى لهذا الموضوع الأهم، ألا وهو تعزيز وحماية حقوق الأطفال والشباب من خلال التعليم.
هذه هي قطر التي يعرفها العالم، ويتأكد نهجها للجميع يوما بعد يوم وفعالية بعد أخرى، فقد استمع لحديث سموها ممثلون من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمجتمع المدني والمنظمات الدولية الحكومية، ولأنه قد عرف عن سموها أنها صاحبة مبادرات خلّاقة من أجل رفاهية الإنسان وتعليمه وتثقيفه نادت بتخصيص يوم عالمي لحماية التعليم، لغرض تحديد التقدم المنجز في هذا الشأن سنويا وتحديد الفجوات ووضع حماية التعليم في مقدمة أولويات الأجندة العامة، لأنه على الرغم من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا تزال انتهاكات الحق في التعليم مستمرة في جميع أنحاء العالم، ولا يزال الحق في التعليم اليوم مجرد بيان مكتوب وليس حقيقة بالنسبة لـ 264 مليون طفل وشاب في المرحلتين الابتدائية والثانوية خارج المدارس.
اللهم إن هذه قطر قد بلغت، اللهم فاشهد..

آمنة العبيدلي