كتاب وأراء

صفعة جديدة (1)

يُفترض أن تلتئم اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأيام القادمة، للتصويت من أجل التجديد لتفويض وكالة الأونروا على الاستمرار بعملها ومهامها داخل مجتمع لاجئي فلسطين في مناطق عملياتها الخمس (سوريا+ لبنان+ الأردن+ الضفة الغربية والقدس+ قطاع غزة)، وذلك للسنوات الثلاث القادمة، كما جرت العادة منذ قيام الوكالة عام 1949. وكل المؤشرات تذهب للتأكيد أن الوكالة ستحصل على هذا التفويض بأغلبية دول العالم، والمجتمع الدولي، على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالرغم من محاولات الإدارة الأميركية لمحاصرة الوكالة مالياً وقانونياً، ومن ثم تفكيكها في وقتٍ لاحق.
في هذا المسار، وقعت الصفعة الجديدة التي تلقتها الإدارة الأميركية في سياق مساعيها المحمومة لتفكيك وكالة الأونروا. فقد صدر مؤخراً قرار لجنة الموازنة في البرلمان الأوروبي، بإسقاط اقتراح الحزب الديمقراطي المسيحي، وكتلة المحافظين اليمينيين، وهو الاقتراح الذي طالب أصحابه بالحجز على نصف المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إلى وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، بذريعة الفساد وسوء إدارة المساعدات الدولية المقدمة للوكالة، لكنه جاء في حقيقته تحت تأثير الضغط الأميركي، والترويج الذي تقوم به واشنطن بكيل الاتهامات للوكالة واتهامها بتغلغل ظاهرة الفساد فيها، وهو ما نفاه بشدة المفوض العام للوكالة (بيير كرينبول) وطالب بالتحقيق والتدقيق بشأنه.
القرار الأوروبي، جاء في جانبٍ هام منه، يُعبّر عن حجم الدعم والتأييد لقضية الشعب العربي الفلسطيني، وتأكيداً إضافياً من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي على المكانة القانونية الراسخة لوكالة الأونروا منذ قيامها، وضرورة استمرار دورها وعملها في مجتمع لاجئي فلسطيني (مناطق العمليات الخمس)، وفقاً لقرار تأسيسها الرقم 302 (الدورة الرابعة) تاريخ الثامن من ديسمبر 1949، إلى حين حل قضيتهم بالعودة إلى أرض وطنهم التاريخي (فلسطين) وفق القرار الأممي الرقم 194 الصادر في 11/‏12/‏1948.
إن قرار لجنة الموازنة في البرلمان الأوروبي، وفي جانبٍ هام منه، يُعبّر عن الإحساس العميق بالمسؤولية الدولية، من قبل مُعظم الدول الأوروبية، التي بدأت منذ فترات زمنية ليست بالقصيرة، بإعلاء صوتها إلى جانب حق الشعب الفلسطيني، وضرورة توفير العدالة والعيش الكريم للاجئين الفلسطينيين، الذين شُردوا من ديارهم وممتلكاتهم، والذين يكفل لهم القرار الأممي الرقم 194 حقهم في العودة إليها.
وفي التفاصيل السريعة، إن الدعم، والتبرعات المالية والعينية، التي يُقدمها الاتحاد الأوروبي والعديد من دول العالم لوكالة الأونروا، ومساعدتها على الاستمرار في تقديم خدماتها كافة لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين، جاء ثمرة للجهود السياسية والدبلوماسية الفلسطينية ولجهود مجموع القوى الفلسطينية، وجهود الجامعة العربية ككل، في حشد الرأي العام في العالم، لمواجهة الصفقة المسمومة «خطة القرن أو صفقة ترامب» التي تقوم على تصفية الوكالة، وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهي الخطة التي ترفضها غالبية الدول العربية، أو تتحفظ عليها بأحسن الأحوال.
إن الإدارة الأميركية، في مساعيها، لتفكيك وكالة الأونروا، تريد محاصرة اللاجئين الفلسطينيين، ودفع لمغادرة «أمل العودة»، وإهالة التراب عليه، ودفع فلسطينيي الشتات للهجرة إلى أصقاع المعمورة، بعيداً عن حدود وطنهم فلسطين.
وحقيقة إن أية محاولة للمساس بوكالة الأونروا، تحت أيةِ ذرائع، من شأنها أن تَصُبَ في خدمة الصفقة المسمومة (صفقة القرن) التي حبكها وطبخها الطاقم المتصهين في الإدارة الأميركية مع نتانياهو. كما أن أي مساس بالوكالة يُشكّل انتهاكاً للقرارات الدولية، بما فيها القرار 302 الذي أنشأ الوكالة وربط مصيرها بتطبيق القرار 194، أي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.
(يتبع)
بقلم: علي بدوان

علي بدوان