كتاب وأراء

لبنان الذي لا تعرفه! «1»

يمتاز لبنان عن غيره من دول المنطقة بما يمكن تسميته بالكونفدرالية الطائفية حيث اختلطت الجغرافيا بالطوائف والسياسة لتصنع مزيجا قل أن يتواجد في أي دولة أخرى، تدار البلاد منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1943 بموجب الميثاق الوطني وهو اتفاق غير مكتوب تم الوصول إليه بعد مشاورات بين مختلف الطوائف ولعب بشارة الخوري أول رئيس للجمهورية ورياض الصلح أول رئيس للحكومة دورا محوريا في التوصل له ونص الاتفاق على توزيع السلطات بحيث يتولى رئاسة الجمهورية مسيحي ماروني وأن يكون رئيس الوزراء مسلما سنيا ورئيس البرلمان مسلما شيعيا ولا يزال هذا العرف الدستوري ساريًا حتى يومنا هذا، ثم جاء «اتفاق الطائف» الذي انتهت بموجبه الحرب الأهلية اللبنانية وأغلقت صفحة دموية استمرت 15 عاما ونتج عنها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى ولا تزال ذكريات أحداثها المريرة في مخيلة الشعب اللبناني حتى يومنا هذا.
تتزامن المظاهرات في الشارع مع الذكرى الثلاثين لتوقيع الاتفاق أواخر 1989 وقد تعرض الاتفاق خلال تلك السنوات الثلاثين لعثرات كادت تودي به ولعل أبزرها قد وقع في السنوات التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير 2005 وانقسمت البلاد حينها بين موالاة للنظام السوري وإيران ومعارضة له وأعقبتها عدة اغتيالات لشخصيات سياسية وإعلامية وأمنية وتفاقم الوضع وتصاعد وكاد يؤدي للاقتتال الطائفي من جديد لولا تدخل دولة قطر التي استضافت الفرقاء اللبنانيين في مايو 2008 وتم عقد ما يعرف باتفاق الدوحة الذي أنهى الأزمة والأحداث الدامية وانتخب العماد ميشال سليمان كرئيس توافقي للجمهورية وعاد الهدوء ليخيم على لبنان مجددًا، وجدير بالذكر أنه حتى وحدات الجيش اللبناني نفسه كانت تخضع لحسابات الطائفة بحيث يخدم أفراد كل طائفة في وحدات قريبة من مناطقهم قبل أن يتم التخلي عن هذا تدريجيًا منذ أواخر التسعينيات.
تخضع الساحة السياسية اللبنانية لحسابات معقدة وقد فاقم منها نظام المحاصصة بحيث أصبح هناك ما يشبه عدة كيانات داخل الدولة الواحدة وتمترست كل طائفة خلف زعمائها وقادتها ومنذ توقف إطلاق النار في أواخر 1989 بدأت حرب من نوع جديد يصور قادة كل طائفة لأفرادها أن أتباع الطوائف الأخرى يترصدونهم ويتحينون الفرص للانقضاض عليهم في ما يشبه الاتفاق الضمني بين المؤثرين على الساحة السياسية بمختلف مستوياتهم للحفاظ على مكتسباتهم السياسية وما يتبعها من منافع ومكاسب اقتصادية ومالية، ولو أضفنا لهذا وجود أذرع مسلحة للطوائف بعضها علني وبعضها لا ومن أبرزها الجناح العسكري لحزب الله، وأيضًا ارتباط العديد من الكيانات بأطراف خارجية ربما يكون الدافع الذي أخرج المتظاهرين اللبنانيين إلى الشارع دافع اقتصادي وخدماتي عقب فرض الحكومة لحزمة ضرائب جديدة طالت حتى الاتصالات عبر الإنترنت وتطورت للمطالبة باسقاط الحكومة والهتاف ضد الرئاسات الثلاث -الجمهورية والوزراء والنواب- وكلما تراجعت الحكومة للوراء زاد ضغط المتظاهرين عليها.
{ (يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري