كتاب وأراء

فـي ذكــرى اغــتــيــال مــجــرم حــرب

في الرابع من نوفمبر 1995 قال لي محرر الأخبار: لقد اغتالوا إسحق رابين، قلت: يدي على قلبي ألا يكون من اغتاله فلسطينياً، قال أحدهم: ألا يستحق القتل؟ هل خدعت أيضاً بأنه وقع «سـلام الشجعان»؟ أليس أحد من يضطهدون الشـعب الفلسطيني؟ أليس صاحب نظرية «تكسير العظام»؟ قلت: إنه يسـتحق أكثر من القتل، يسـتحق أن يقدم إلى المحاكم الدولية كمجرم حرب ارتكب جرائم ضد الإنسانية، ولكني أخاف أن يكون فلسـطيني قـد تسـلل واغـتاله، فتـفـتح أبواب الجحيـم عـلى الفلسـطيـنيـين أكثر مـما هي مفتوحة. وهـدأ البال حين أذيع أن من اغـتاله شاب يهودي من أصل يمني اسمه ييغال عامير بحجة أن رابين خان الشعب اليهودي.
بكى زعماء عرب كثيرون إسحق رابين ربما أكثر مما بكوا مناضلين وزعماء عرباً، وتوقفت مسـيرة «سـلام الشـجعان» كما سـماه ياسـر عرفات، وبدأت نوايا إسرائيل تنكشف قليلاً قليلاً، ولا يعني هذا أن المسـيرة كانت سـتسـتمر لو أن رابيـن ظل حياً، لأنه لا يجرؤ على الخروج عـلى الثوابت الإسـرائيلية ولأنه لم يلجـأ إلى مفـاوضات أوسـلو إلا بضغـط الانـتـفاضة وما فعلتـه بسـياسـاته المتغـطرسة، وليس انصياعاً للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.
مرة أخرى علق العرب آمالهم على رجل واحد، كما يعلقـون آمالهم على سـاكن «الإليزيه» في باريس، والبيت الأبيض في واشنطن، و«10 داوننج ستريت» في لندن، لأننا تعودنا أن تغيير الزعيم في بلادنا قد يقلبها رأساً على عقب، ولكم في عبد الناصر والسادات أفضل مثال، وننسى أن للدول سياسات ثابتة ومصالح دائمة يعمل الجميع لتحقيقها، وأن هذه الدول دول مؤسسات وليست دول أفراد.
ولنا في طريقة تعامل السـلطات الإسـرائيلية مع القاتل عبرة. لقد قتل أهم شـخصية سـياسـية في البلاد، فلم يجرؤ شـرطي على أن يصفعه. اعتقل أخوه لشـكهم بأنه كان يعرف نية ييغال، وكان عـليه أن يبلغ السـلطات، ولم يثبت هذا، فأطلقوا سراحه. سمحوا له بإكمال دراسته، وبما أنه غير متزوج فقد سمحوا له باستقبال صديقته في خلوة مرة أسبوعياً. لم يعتقل أبوه أو أحد من أفراد أسرته. تصوروا أن مواطناً عـربياً اغـتال رئيس بلديـة أو رئيس قسـم شـرطة، ماذا كانـوا سـيفـعلون به وبأهـله وبأسـرتـه، وربمـا بأصدقائـه وقـبيلته؟ الإسـرائيليون فاشـيون عـنصريون نازيون مجرمـو حرب معـنا، لكنهـم يحترمـون مواطنهم، ويطبقون الديمقراطية فيما بينهم. والحكمة ضالة المؤمن. قال تعالى «ولا تزر وازرة وزر أخرى» لكن الحكومات العربية في مخالفة صريحة لهذا الحكم الإلهي تحمل الأسرة وربما القبيلة وزر ما ارتكبه فرد واحد، وقد يكون مظلوما.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين