كتاب وأراء

الكلمة كانت في البداية

يرصد الكاتب الأرجنتيني الشهير (البرتو مانغويل) في كتابه الجميل (تاريخ القراءة)، الذي صدر عام 1996 وترجمته دار الساقي إلى اللغة العربية عام (2001)، تاريخ المكتبات حول العالم، ويتتبع آثار النصوص المكتوبة والمقروءة والمطبوعة عبر العصور، منطلقا لذلك من بداية تأسيسه لمكتبته الخاصة في بيته في فرنسا، راصدا كل ما يتعلق بعملية القراءة والكتابة والتدوين في العالم، ومعتبرا أن القراءة هي الذاكرة الجمعية للبشر بقدر ما هي الذاكرة الفردية للقارئ. البرتو مانغويل الذي كان هو اساسا القارئ الشخصي لخورخي لويس بورخيس الكفيف، ألحق بكتابه تاريخ القراءة كتابا آخر لا يقل أهمية ومتعة عن سابقه هو (المكتبة في الليل، صدر عام 2005 وصدر في العربية بعدة ترجمات آخرها ترجمة أحمد أحمد 2017 لدار الساقي)، وفيه يتحدث عن الدور المهم للمكتبة في الحضارات البشرية بدءا من حضارة مصر القديمة، وصولا إلى المكتبة الالكترونية في عصرنا الحديث، معتبرا أن (جوجل) جزء من المكتبة العالمية التي يمتلكها البشر جميعا.
أستعيد في ذاكرتي ما كتبه مانغويل عن القراءة والكتب كل مدة، كلما بدأت أشعر باللا جدوى من كل شيء، يخطر لي حينها أن تاريخ الكتابة والقراءة نابع أساسا من هذا الإحساس باللا جدوى الذي يخالج البشر عموما، والمبدعين على وجه الخصوص، تأتي عملية الكتابة، وتاليا القراءة، لتملأ فجوات في الروح يسببها القلق الوجودي والخوف من التقدم في السن، والخوف من الموت، والبحث عن ماهية الحياة ومعناها، وسؤال الكينونة بشقيها المضيء والمعتم، الظاهر والخفي، وكأن فعلي الكتابة والقراءة وجدا، بالتحديد، كي لا يمتد الإحساس باللا جدوى فيأكل الروح تماما، ويدخل بها إلى مرحلة العدم، حيث تتساوى الحياة بالموت، وحيث يسيطر الثبات والركود على الروح، فتصبح على علاقة حيادية تجاه كل شيء، الحياد الذي يشبه الموت، وحدهم الموتى حياديون تجاه الحياة، لا مشاعر ولا انفعالات ولا أسئلة ولا أي شيء، العالم منته لهم، ما يفعله إحساس اللا جدوى مشابه لهذا تماما، لتأتي الكتابة والقراءة وتعيدا صياغة الحياة، وتسدا الفراغ الحاصل في الروح وتملآه بخلاصة تجارب البشرية، فالكتابة ليست سوى إعادة إنتاج لتاريخ البشرية وتجاربها واختباراتها، والقراءة هي إعادة تمثل هذه الاختبارات وتطبيقها في النفس وعليها، هما، باختصار، صياغة جديدة للحياة بكل قيمها وتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، مع كل تدوينة، قديمة وحديثة، ومع كل قراءة لهذه التدوينة، هما خلق مواز للحياة، أو ربما عملية رمزية للخلق، تساعدان البشر على التوازن، خصوصا في أزمات الحياة الكبيرة، أو في الصراعات البشرية والمتغيرات الحياتية الهائلة، كما يحدث في عالمنا المعاصر حاليا من متغيرات وأحداث مهولة، تجعل البشرية على شفير هاوية من الانهيار الكبير، وتجعل البشر معها يقفون على حافة هذه الهاوية دون أن يجدوا ما يستندون إليه ليقيهم من السقوط سوى الإيمان، أو الكتابة والقراءة بوصفهما مرادفين للإيمان، إذ: (في البدئ كانت الكلمة) و(اقرأ)، هما دليلان تاريخيان على هذا الترادف. قبل أيام قرأت لأحدهم على مدونته بما معناه: «إن عملية شراء الكتب بحد ذاتها تخلق الإحساس بالأمان حتى لو لم نقرأ غالبية ما نشتريه من كتب»! أعادتني هذه الجملة إلى حالتي مع الكتب والمكتبة، إذ أنني طوال حياتي عشت في بيوت تحتل الكتب نصف مساحتها، في كل البيوت التي سكنت فيها كان هناك حائطان على الأقل مخصصان للكتب، رغم أنني كنت قارئة نهمة ذات يوم، (أصبحت اليوم قارئة انتقائية بشكل ممل)، إلا أنه كان هناك الكثير من الكتب في مكتبتي لم يتح لي قراءتها، ومع ذلك كنت أشتري الكتب دون تردد وأضمها إلى مكتبتي، كان في ذلك، فعلا، نوع من الإحساس بالأمان، كما لو أنني أحضر الآخرين إلى بيتي وأحيط نفسي بهم، الآخرون الذين تركوا أنفسهم وحيواتهم على الورق المغلف، مكتبتي كانت في دمشق، واختفت من ضمن ما اختفى في الحرب، لم أعد أعرف عنها شيئا، وأحاول منذ بدء حياتي في القاهرة تأسيس مكتبة أخرى، أشتري الكتب دائما، وأضمها إلى المكتبة دون أن أقرأ الكثير منها، لكن ثمة حاجة ضرورية لفعل ذلك، أن تعيش في وطن ليس لك، وأن تبدأ حياتك وأنت تجاوزت منتصف عمرك، ستحتاج أن تحيط نفسك بالألفة، لا شيء يوحي بهذه الألفة أكثر من المكتبة، لا شيء يبعث على الطمأنينة غيرها، ففي محتوياتها يكمن التشابه، إن تجربتك وما تمر فيه ليس استثنائيا ولا نادرا، ثمة آخرون عبروا هذه الاختبارات ودونوها، هذا التشابه الذي يجعلنا نتشارك تجارب الآخرين لننحي خوف الوجود ونكمل حياتنا واعين لما نمر به من مشاعر ومتغيرات.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران