كتاب وأراء

للحرية والديمقراطية وجوه كثيرة! «2»

ونقول على سبيل المثال، ان ما يجري حاليًا في أوروبا والغرب من صعود للحركات والأحزاب اليمينية وتأثيرها واستخدامها لأوراقها المفضلة اللاجئين والإرهاب والإسلاموفوبيا للترويج لنفسه وحصد المكاسب السياسية هي نفسها الأوراق التي كانت نتيجة مباشرة للسياسات الغربية في منطقة الشرق الأوسط والدول ذات الغالبية المسلمة بوجه خاص، حيث كانت ولا تزال المعادلة القائمة بسيطة ومختصرة وهي الحصول على الأموال والثروات والمواد الخام من الشرق مقابل الدعم السياسي والعسكري وتجاهل الملفات الحقوقية من الغرب، لتستمر الأنظمة الديكتاتورية في قمع شعوبها والسيطرة على ثرواتها ومقدراتها وبالتالي يسهل المقايضة بها لتحصل عليها حكومات الغرب وتمنحها لشعوبها لتعيد انتخابها وهكذا-قد تتغير الأشكال والشخصيات والأحزاب في الشرق والغرب- لكن تبقى المعادلة نفسها قائمة ليربح الجميع عدا الشعوب المغلوبة على أمرها وهي الأحق بتلك الثروات والمقدرات وتستحق العيش بكرامتها داخل دولها وأن يتصدر للحكم فيها من يضمن لها نفس ما تتمتع به شعوب الغرب من حريات وحقوق.
قد يرد البعض أن غالبية التقارير الحقوقية والمنادية بحق الشعوب في حريتها وتقرير مصيرها والراصدة لانتهاكات الأنظمة القمعية ضد مواطنيها تصدر عن هيئات وجمعيات ومنظمات غربية، وهذا أمر صحيح وواقعي، لكن يبقى السؤال الجوهري والأهم هو مدى تأثير تلك الهيئات وما تصدره من تقارير على أرض الواقع وما يحدثه من تغييرات في المعادلة، وعندما يتواجد هذا التأثير يكون محدودا للغاية وفرديا وكثيرًا ما يأتي بعد فوات الأوان، وحتى تلك المنظمات والهيئات والجمعيات تستخدمها الدول الغربية للبرهنة على ما تتمتع به شعوبها من حرية في الرأي والتعبير والرصد والانتقاد أي أنها وبشكل غير مباشر تسهم في إكمال شكل الدولة الحضاري والمتقدم مع عدم إنكار ما تقوم به تلك الهيئات من جهود في حدود إمكاناتها وتوجهات داعميها ومموليها وأعضائها فهي منظمات غير ربحية في المقام الأول وهو ما يوقعها كثيرًا ضحية لتعقيدات الاقتصاد والسياسة والمصلحة.
المغزى هنا أن أساليب الرصد وتناول الأحداث والتعامل معها حتى في الغرب الديمقراطي والحر إلخ إلخ إلخ تخضع لحسابات السياسة والاقتصاد والمصلحة وأن طريقة تعامل الأنظمة الغربية مع شعوبها من حيث انتقائية الأحداث والتعامل معها لا تختلف كثيرًا من حيث المبدأ مع نظرائها في الدول ذات الطابع السلطوي والديكتاتوري وحتى وسائل الإعلام والهيئات المعارضة والمنتقدة لتصرفات وتوجهات الحكومات هي جزء من المنظومة سواء كان هذا بالاتفاق أو بدون، ففي نهاية الأمر تتلقى الشعوب الغربية من حكوماتها ما يجعلها تتمتع بحقها في الحريات بأنواعها والعدالة الاجتماعية وتدرك عبر ما ترصده المعارضة بمختلف أنواعها وأساليبها ووسائلها الفارق بين ما تتمتع هي به والمحروم منه غيرها من الشعوب المغلوبة على أمرها وتلك فطرة إنسانية، وهو ما يقودنا إلى الحقيقة والأمر الواقع أن أي تغيير سياسي للحصول على أبسط الحقوق في منطقتنا العربية يرجع للشعوب نفسها في المقام الأول، فالعالم الغربي لا يتخلى عن دعم هذا الطاغية هنا أو الديكتاتور هناك إلا إذا أدرك أن خسائره تتفوق على مكاسبه من هذا الدعم والبقاء ويرضخ مرغمًا لإرادة الشعوب حين تتمكن من أن تفرض كلمتها حماية لمصالحه وهي المحرك الأوحد لكل ما تقوم به من تحركات وسياسات وهي الحقيقة التي لا بد أن تكون حاضرة في أذهان وعقول الشعوب الطامحة للحرية والتغيير.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري