كتاب وأراء

تجـديـد ذكرى العـمـيـد

عنوان المقال مأخوذ من عنوان أطروحة طه حسين لنيل الدكتوراة «تجديد ذكرى أبي العلاء»، وقد تشبه العميد كثيراً بالشاعر الناقد الفيلسوف أبي العلاء المعري. كان انتظاراً بلا جدوى. إلى إحياء ذكرى ولادة عـملاق فكري أدبي في مثل قامة طه حسين؟ هذا زمن التفاهة والألاعيب السياسية وانشغال الناس بطعامهم وملذاتهم وألعابهم، لا زمن عـملاق مثله حلت في الخامس عشر من هذا الشهر ذكرى ميلاده الثلاثون بعد المائة، إذ ولد في 15 نوفمبر 1889 وتوفي في 28 أكتوبر 1973.
كان طه حسـين موسوعة متحركة، وأبعد نظراً من المبصرين.درس الحضارة الإسـلامية، والحضـارة المصرية القـديمة والتاريخ والجغـرافيا، والفلك، واللغات السـامية، والفـلسـفة الإسـلامية، وتاريخ الحضارة الشـرقـية القـديمـة، والفلـسـفة، والأدب الـفـرنسـي. وفي جامعـة باريـس درس التـاريـخ الـيـوناني والـروماني والحديث، وعلم الاجتماع. وكانت شـهـادة الدكتوراة الأولى التي نالها من الجامعة المصرية «تجديد ذكرى أبي العلاء» وكأنه كان يرى في نـفسه امتداداً لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشـعـراء، وكما نالت أبا العـلاء سـهام التجريح والاتهـامات، نال طه حسـين نصيبه منها.
وظـف طه حسـين إمكاناتـه في الصحافـة والإذاعـة والمحاضرات والندوات لـلقضايا الفكرية والنقدية والأدبـية والسياسية أيضاً
في عام 1926 ألف طه حسـين كتابه المثير للجدل «في الشـعر الجاهلي» وعمل فيه بمبدأ ديكارت، وخلص في استنتاجاته وتحليلاته إلى أن كثيراً من الشعر الجاهلي منحول، وأنه كتب بعد الإسـلام. تصدى له العـديد من عـلماء الفـلسـفة والـلغة، كما قاضاه عدد من علماء الأزهر، إلا أن المحكمة برأته لعدم ثبوت أنه قصـد برأيـه الإسـاءة المتعـمـدة لـلديـن أو لـلـقرآن.
لـقـد كان موقـفاً مشـرفاً للقـضاء المصري حين انتـصر لحريـة البحث العـلـمي، وميز بين الإيمـان الديني وليد العاطـفة، وضـرورات البحث العلـمي التي تخضع للعقـل وحده، وقال رئيس النيابة إن غرض المؤلف: «لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين، بل إن العـبارات الماســة بالديـن التي أوردها في بعـض المـواضـع من كتابـه جاءت على سـبيل البحث العلمي، مع اعتـقاده أن بحثه يقـتضيها».
دعا طه حسـين إلى نهضة أدبية، وعمل على الكتابة بأسـلوب سـهل واضح، ولـقـد أثارت آراؤه الكثـيـرين، كما وجهـت له العـديد من الاتهامات، ولم يُـلق بالاً إلى المعارضات القـوية التي تعـرض لهـا، واسـتمر في دعوته للـتجديـد والتحديـث، وأخذ على المحيطـين به ومن الأسـلاف من المفكريـن والأدباء طرقهم التـقـليدية في تدريس الأدب العربي، وضعف مستوى التدريس في الـمدارس، كما دعا إلى أهـميـة توضيح النصوص العربـية الأدبـيـة للـطلاب، وإعـداد المعلمين الذين يقومون بتدريس الـلغـة العربية والأدب، بالإضافة لاتباع المنهـج التجديدي، وعدم التـمسـك بالشـكل التقليدي في التدريس.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين