كتاب وأراء

العالم على فوهة البركان

على ما يبدو أن العالم يتغير، ما يحدث حاليا في العالم، شرقه وغربه، في الدول الفقيرة والدول المتوسطة الثراء ودول العالم الأول، يثبت أن عالمنا الحالي، المستقر مما يقارب القرن تقريبا في بدايات تغييره، يتضح هذا أيضا من حكامه، إذ لأول مرة، منذ عقود طويلة، يحكم عالمنا هذا من قبل سياسيين قليلي الخبرة، متشاوفين ومتنمرين وشعبويين وعنصريين، يظنون أن الكرة الأرضية شركة خاصة ورثوها عن عائلاتهم، ولهم أن يترفوا بها كما يحلو لهم، لا قيمة فيها للبشر،
البشر الذين لا تراهم الطبقة السياسية الحاكمة سوى عمال في شركتهم، عمال بلا أية ضمانات أو حقوق، فكما يحق لصاحب الشركة أن يفصل عاملا من العمل دون إنذار، تتصرف الطبقة الحاكمة في حياة البشر على نفس الشاكلة، المهم أن تبقى عجلة إنتاج الرأسمالية الحديثة على قيد العمل، هذه العجلة التي تديرها صناعة السلاح والتجارة به، بكل ما يتعلق بهذه الصناعة، بدءا من تشكيل مجموعات مافياوية عابرة للدول والقارات، متحكمة في السمسرة وتجارة السلاح، مرورا بهوس القوة والسيطرة والاستعراض الذي تتبناه أنظمة تنهش مجتمعاتها الفوضى الاقتصادية والتوحش الرأسمالي، وتستخدم الشعوب الفقيرة لتجرب بها وعليها صناعة الموت تلك، وليس انتهاء بتحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية (أيضا عابرة للدول والقارات) لا تلقي بالا لمصير الشعوب، ولا لتطلعاتها وأحلامها، ولا يعنيها انتشار الفقر والجهل والتشرد والموت، ولا الغضب الذي يغلي في الجيوب المخفية من المجتمعات البشرية، والذي يتكون مثل براكين حارقة، ولا هي معنية أيضا بحالة كوكب الأرض وما يحدث فيه من تدمير بيئي، بحيث سيتحول عما قريب إلى كوكب لا يصلح للحياة البشرية، بفعل التغيرات المناخية التي سببتها الصناعات التي تعتمد على توليد الطاقة عبر استخدام الوقود الأحفوري، الذي أطلق غاز ثاني أوكسيد الكربون فارتفعت حرارة الأرض بشكل مخيف، وعدم الاهتمام بالتخلص من المواد الملوثة للبيئة والتي تدمر الغلاف الأرضي الأخضر وتصحر كوكبنا الأرضي، وتكاد تدمر سبل الحياة المناسبة للكائنات الحية للعيش على هذا الكوكب المنكوب.
الشعوب تحتج على ما يمارس عليها، تحتج على النظم السياسية والعسكرية والاقتصادية المدمرة لها، بدأت الموجة الأولى منذ عقد من الزمن تقريبا، منذ بداية الأزمة الاقتصادية في العالم قبل ما يتجاوز العشر سنوات، بدأت موجة الاحتجاج في دول أوروبا، وكانت كلها ضد السياسات الاقتصادية المرهقة لكاهل هذه الشعوب، ثم انتقلت إلى بلادنا العربية، التي كانت تعيش إفقارا مذلا مضافا للاستبداد السياسي والأمني والعسكري، ومقرونا بفساد منقطع النظير لم يوفر أي منحى من مناحي الحياة، واستطاع النظام العالمي المافياوي القضاء على هذه الثورات الاحتجاجية، بالمناورة حينا وباستخدام كل الأوراق الممكنة بما فيها الإجرام والقتل بكل أنواع الأسلحة المتاحة، بيد أن البشر كما الماء، مهما تم حبس المياه وإعاقة مرورها سوف تجد ثقوبا تتسرب منها،ها هي الثورات تعود مجددا إلى العالم، بطرق وأشكال ومطالب مختلفة، وبأماكن متعددة لا تقتصر على بلادنا، إذ أن السياسات التي تحكم العالم برمته لم تعد صالحة للشعوب، يبدو هذا واضحا جدا الآن، ساعدت تقنية الاتصالات الحديثة على تشكيل رؤية إنسانية جديدة، وانتشارها لتصبح الثورة ثيمة هذا العقد من الزمن، لم تعد الشعوب تتغاضى عن حق من حقوقها مقابل حق آخر، عرفت شعوب الأرض، أخيرا، أن الأرض لها وأن مستقبل الأرض لأبنائها وأحفادها، وليس لشركات اقتصادية عملاقة ومافياتها المسيطرة، بل حتى يمكننا القول إن شعوب الأرض راضية اليوم بدفع الأثمان كلها، رغم محاولات النظم العالمية إعطاء الأمثلة المثبطة (سوريا واليمن وليبيا) كأمثلة حديثة العهد، لكن حتى شعوب الدول القريبة من دول الموت هذه، لم تتعظ كما كان يراد لها، اليوم يصنع العراقيون واللبنانيون والإيرانيون والجزائريون والسودانيون مصائرهم الشخصية رغم أنف حكوماتهم، ومعهم، في الطرف الآخر من العالم، الشعوب في بوليفيا وتشيلي والكونغو وإثيوبيا وهونغ كونغ، ويتابع الفرنسيون والإسبان واليونانيون ما بدؤوه قبل مدة!
هل من شيء يمكنه بعد اليوم إيقاف شعوب الأرض، وهل من نظام سياسي أو اقتصادي أوعسكري أمني يمكنه أن يضمن أن الموجات هذه لن تصل إليه، ما لم يبادر إلى التنازل عم كل ما يعيق حرية شعبه؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران