كتاب وأراء

تقرير تشيلكوت.. ظهرت الحقيقة وغابت المسؤولية !

بحث تقرير لجنة تشيلكوت عن حقيقة الحرب على العراق عام 2003 م في بحر متلاطم من الملفات والأوراق فحرك راكد العديد من الأسئلة المثيرة عن الحرب ودوافعها ودور إدارة توني بلير ودور الإدارة الأميركية السابقة وكذلك الإدارة الحالية التي مازالت تتعامل مع ملف العراق على ضوء «استراتيجية» محددة ربما يكشف عنها تقرير جديد. من ناحية أخرى أزاح تقرير تشيلكوت الستار عن العديد من المسائل التي كانت شكوكا سياسية قد لا يمكن تصديقها فتحولت بعد التقرير إلى (واقع سياسي) يجب التعامل معه في أحداث الشرق الأوسط الحالية قبل أن تكشفها تقارير لاحقة كمثل هذا التقرير.
بين الأسئلة والشكوك يبدو أن تقرير تشيلكوت سيصبح من قبيل «بكاء على اللبن المسكوب» حيث ظهرت الحقيقة وغابت المسؤولية ولا يلوح في الأفق أدنى فرصة للمسائلة القانونية المعتبرة.
كانت هناك شكوك قوية ومعتبرة حول دور المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وحتى محكمة الجنايات الدولية وغيرها من حيث توظيف الدول الغربية خاصة أميركا لهذه المنظمات في خدمة استراتيجياتها وتبرير تحركاتها العدوانية تجاة أطراف دولية أخرى! تقرير تشيلكوت وضع النقاط على الحروف وأثبت أن هذه المنظمات الدولية ليست سوى أدوات للدول الكبرى المسيطرة لإدارة الصراعات وتوجيها لتحقيق مصالح خاصة وليذهب العالم إلى الجحيم! إن استخدام الغرب وأميركا خصوصا لهذه المنظمات الدولية يعتبر اليوم (واقعا سياسيا) يجب التعامل معه على هذا الأساس وليتناسى العالم كل الأدبيات التي تتحدث عن العدالة والمساواة والحرية ونشر الديمقراطية وبقية الكلمات العاطفية!
من ناحية أخرى، كانت الشكوك حول فعالية المؤسسات الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني في دول الغرب تتراكم مع كل أخطاء سياسية ترتكب لكن تقرير تشيلكوت وضع ألف خط تحت كلمة «الديمقراطية البلهاء»! وأكد أن الديمقراطية هي مجرد آلية تجميلية لفظاعات السياسيين الدكتاتوريين! هناك عدد من النقاط حول هذه المسألة بعضها كشفها تقرير تشيلكوت وبعضها كشفتها سياق الحديث حول التقرير وما جاء فيه. الوعد بمشاركة بريطانيا في الحملة على العراق تأكدت على لسان توني بلير عام ???? أي قبل سنة من الحرب ثم جاءت رسميا بموافقة كل المؤسسات الديمقراطية في البلاد رغم ضعف المبررات وهزالة المنطق الاستراتيجي للحرب ورغم أكبر مظاهرة مليونية عرفها التاريخ البريطاني! عن أي ديمقراطية يتحدث القوم!
في ثنايا تقرير تشيلكوت ظهرت الحقيقة وبقيت الأسئلة المؤلمة ويقينا لن توجد إجابات!
أهم الأسئلة التي أثارها تقرير تشيلكوت تدور حول السبب أو الدافع الحقيقي للحرب على العراق بعد أن أثبت التقرير ركاكة عذر (أسلحة الدمار الشامل)! يشير التقرير إلى إن الهدف الحقيقي للحرب كان تغيير النظام العراقي بالقوة لكنه توقف عن الخوض في الاستراتيجية التي كانت تدفع نحو تحقيق هذه الخطوة الخطيرة! هل يعقل أن تغامر الدول العظمى (أميركا وبريطانيا وأخواتها) والدول الصغرى (القائمة طويلة)! وتتورط في نزاع دولي وتتكلف الكثير من الجهود والأموال والأرواح لمجرد تغيير نظام ما مهما كان مخالفا لتوجهات هذه الدول؟ هناك سؤال كبير يقول ماهي الاستراتيجية الأميركية حول الشرق الأوسط قبل وبعد غزو واحتلال وتفكيك العراق كأحد أقوى الدول الإقليمية في المنطقة؟ الجواب أو بعض الجواب كشفت عنه بنود الاتفاق النووي الأميركي الإيراني وما بعده!
ويتعلق بهذا السؤال سؤال أخر ليس أقل منه غموضا، من المستفيد؟ قد يكون توني بلير استفاد منصبا شرفيا استمر فيه بضع سنين وقد تكون شركات المحافظين الجدد في أميركا استفادت عقودا ومزايا في العراق ودول أخرى لكن السؤال من المستفيد سياسيا من هذه الحرب الغير مبررة! كل أصابع مستر تشيلكوت العشرة ومعه أصابع أعضاء لجنته لابد أن تشير إلى طرفين (وهما في الحقيقة طرف واحد) قطفا عسلا سياسيا من خلية الفوضى العراقية: إيران والأحزاب الشيعية المتطرفة في العراق! وتأكيد الجواب لن يكون في تقرير تشيلكوت لكنه يوجد في التقارير الإخبارية اليومية عن أحداث العراق والمنطقة لمن يجيد قراءة ما بين السطور!
أما السؤال الأكثر إثارة من كل هذه الجعجعة التي أحدثها تقرير تشيلكوت فيقول «ماذا بعد»؟ لقد عرف العالم من تقرير تشيلكوت النقاط التالية:
- «انتهينا إلى أن بريطانيا اختارت المشاركة في غزو العراق قبل استنفاد الخيارات السلمية لنزع السلاح، ولم يكن التحرك العسكري وقتها ملاذا اخيرا».
- «القرارات بشأن خطورة التهديد الذي تشكله أسلحة الدمار الشامل في العراق قدمت بثقة لم تكن مبررة».
- «على الرغم من التحذيرات الصريحة، فإن عواقب الغزو قللت من أهميتها، وكان التخطيط والاستعدادات للعراق في مرحلة ما بعد صدام غير ملائمة تماما ».
- «الحكومة فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة ».
حسنا، ماذا بعد؟ هل هناك قدرة على تحمل مسؤولية ما حدث للشعب العراقي بل لشعوب المنطقة كاملة التي دفعت ومازالت تدفع من اقتصادها وأمنها واستقرارها؟ هل توجد لدى الغرب آليات للمسائلة القانونية أو إصلاح ما أفسدته السياسة أو التعويض عن ما ارتكبه الديكتاتوريون الجدد الكبار منهم والصغار؟ أم إن كل هذه الأحداث والأخطاء والتجاوزات التي كشف عنها تقرير تشيلكوت كتب لها أن تكون مجرد درس تاريخي يأتي بعدها مباشرة العبارة الشهيرة «انتهى الدرس يا غبي»!
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي