كتاب وأراء

تمسك بخيار الدم.. روسيا في سوريا .. دب منفلت!

تمسك الدب الروسي بخيار الدم في سوريا ولفظ على حافة الطريق كل الوعود المعسولة التي ظل يطلقها بين الفينة والأخرى خاصة كلما عنّ له أن يقارن نفسه بأميركا ودول حلف الناتو التي تحرق الأخضر واليابس ولا تهتم! الأزمة الكبرى في الأزمة السورية ليست تصرفات هذا الدب الروسي المنـفلت لكنها تصرفات الدببة الآخرين والتي تراوحت بين تحالف خفي ومساعدة جزلة للدب الروسي المتهور من جهة وصمت مطبق وتجاهل مريب لكل تصرفاته الدموية والوحشية من جهة أخرى! سوريا لم يعد لها أصدقاء وأعداء، لقد كمن لها «أعداء» فقط وكما قال السوريون مع انطلاقة ربيعهم المخنوق «ما إلنا غيرك يا الله»!
قبل سنوات قالت روسيا بصوت مرتفع «حل الأزمة السورية يجب أن يكون بـيد السوريين فقط»! لكنها اليوم تـنفذ أجندة خطيرة ليكون حل الأزمة السورية بـيد كل الساقطين والدمويين والغرباء والطائفيين إلا الشعب السوري المنهك! روسيا اليوم تـقتل الشعب السوري لا لكي تحل الأزمة السورية بل لتحل أزمة النظام السوري الذي اصطدمت بثورة الشعب السوري وهتافاته! ولكي تحل أزمة المشروع الإيراني التوسعي الذي اصطدمت بجهاد الشعب السوري وتضحياته! ولكي تحل أزمة الشعب الكردي وأحلامه في الانفصال والذي اصطدمت بوطنية الشعب السوري ووحدته! روسيا تريد أن تحل كل الأزمات في سوريا إلا أزمة الشعب السوري نفسه!
وفيما يتعلق بالأمم المتحدة ومجلس الأمن فقد كانت روسيا تـنادي دوما بضرورة أن يكون التدخل العسكري في الدول الأخرى بتفويض من مجلس الأمن وتصر على تعزيز دور المجلس بالإشراف والمراقبة على تـنفيذ قراراته بما يكفل تحقيق السلم والأمن العالمي، هكذا قالوا لكن ماذا عملوا! لقد وضع الدب الروسي مجلس الأمن تحت إبطيه ومارس في سوريا مع حلفائه الطائفيين قمة الاستـفراد بالحل والقـتل ودعم طرف متوحش على حساب فناء طرف آخر! كانت روسيا تـقول دوما إنها لن تخوض حربا خارج أرضها إلا لأسباب إنسانية وها هي اليوم تخوض حربا خارج أرضها لأسباب غير إنسانية!
وعندما يتحدث التاريخ فإن الدب الروسي المنفلت بارع في الكذب وعنيف في التملص! في ذروة الحرب الأهلية الليبية أعلنت موسكو غضبها الشديد من دول الناتو لأنها «تـقتل الناس في المدن التي يسيطر عليها نظام القذافي لإنـقاذ الناس في المدن التي يسيطر عليها الثوار» (كما صرح وزير خارجيتها آنذاك)! سبحان الله، هذا هو بالضبط ما تـفعله روسيا اليوم على الأرض السورية بقـتل الناس في حلب وإدلب وجسر الشغور والأتارب وغيرها لإنـقاذ نظام الأسد وطائـفته في بقية مدن سوريا (كما تدعي)!
من ناحية أخرى رسخت روسيا وعلى مدى عقود من الزمن أنها لا ولن تحمي الأنـظمة التي تمارس العنف ضد شعوبها أو التي تعارض الغرب أو حتى التي لها مصالح حيوية واستراتيجية مع روسيا ذاتها كما حصل مع نظام صدام حسين في العراق ونظام القذافي في ليبيا لكنها اليوم تدفع بفلذات أكبادها لتحمي نظام الأسد ولتدافع عن المشروع الإيراني رغم ضآلة المصالح الاستراتيجية في سوريا الممزقة! خسائر روسيا فيما لو سقط نظام الأسد لا تعد شيئا مذكورا مقارنة بخسائرها الاستراتيجية جراء سقوط نظام صدام أو سقوط نظام القذافي أو حتى سقوط نظام سلوبودان ميلوفيتـش!
في الأدبـيات السياسية الروسية لهجة قوية من النـقد لأميركا خاصة لأنها تـتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولا تـنفك تدس أنفها ومخابراتها وشركاتها الأمنية وشركاتها المعلوماتية في خصوصيات الدول الأخرى ولا تخجل! كانت روسيا تـقول دوما إنها تـنأى بنفسها عن التدخل في الصراعات المحلية وفعلا كفت يدها عن التدخل في صراعات دولة يوغسلافيا رغم ما كانت تحمله من رمزية دينية للروس وجيرانهم! اليوم تمارس روسيا وبكل عنف وصلافة التدخل الدموي الطائش في الصراع السوري بل ساهمت وتساهم في قـتل وتهجير الناس وتدمير البنية الحياتية للشعب السوري ولا تخجل!
دولة روسيا القاتلة مثل شريكتها دولة أميركا الظالمة، ستظل تكذب وتطلق الوعود الزائفة والكلمات الناعمة لكي تخفي هدفها الحقيقي من التدخل في الأزمة السورية ولكي تغطي على اتـفاقها السري المزدوج مع أميركا وإيران رغم بربرة جون كيري وشروحاته! بالمختصر لقد اتـفق القوم على منع قيام كيان أو نظام سني (متطرف) في الشرق الأوسط وفي دول الربيع العربي خاصة! التحليل الروسي الأميركي المشـترك للربيع العربي قرر أن مخاض العالم العربي سيؤدي حتما إلى عودة «كيان ما» يهدد المصالح الغربية والروسية بشكل جدي ويمنع الأجندات المطروحة للشرق الأوسط الجديد وأهمها «تمكين الأقليات» وتهيئة الأرض لفرض «الهلال الشيعي الممتد»! وعلى هدى من هذه التصورات يعمل المجرمون!
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي