كتاب وأراء

أطفال سوريا : الضمير الدولي في سبات!

من الطفل الغريق إيلان إلى الطفل المصدوم عمران وقبلهما الطفل الممزق حمزة الخطيب وآلاف آخرين من أطفال سوريا رسموا بدمائهم صورا قاتمة عن الوضع الإنساني المتأزم وأرفقوا مع الصور دلالات أكيدة على تأزم آخر في ضمير المجتمع الدولي الصامت ولا تسأل عن أمة العرب فقد فـنيت! حالة أطفال سوريا مثل حالة الثورة السورية نـفسها هي حالة كاشفة لم تكشف المعتدين فحسب بل كشفت كذلك المشاركين والمتآمرين والصامتين والخائفين والمرتعدين وكل الآخرين! وأطفال سوريا مثل كبارها الذين قالوا كلمة في بداية ثورتهم وأصبحت هذه الكلمة واقع الشعب السوري الذي لم يتغير «ما لنا غيرك يا الله»!؟
قبل أشهر، صدمت صور الطفل السوري إيلان غارقا على شاطئ بودروم التركي العالم لبضعة أيام وحركت الضمير الدولي برهة من الزمن ثم عاد إلى السبات! أصبح الطفل الغريق إيلان رمزا خالدا لمأساة تهجير السوريين وسوداوية زوارق الموت وفهم العالم ذلك لكن التهجير المتعمد لم يتوقف بل زاد خاصة في ريف حلب وتحول إلى تهجير داخلي قسري على السوريين بعد أن أقـفلت الدول المجاورة حدودها! هذه الصور المؤلمة حركت في العقول سؤالا يقول: لماذا يُترك أطفال سوريا هكذا يلتهمهم البحر في غفلة من العالم؟ لكن لا أحد يملك الإجابة وعاد العالم إلى الصمت وتـناسى صور إيلان مثله مثل آلاف الأطفال السوريين من قبل!
ومرة أخرى عاد العالم وأنـشق عقله بصور الطفل عمران المصدوم من العنف الذي تعرض له وتعرضت له أسرته الصغيرة في حي القاطرجي بحلب. في لحظات أصبح الطفل المصدوم عمران رمزا خالدا لصدمة الحرب وبدا وكأن العالم أخذ يتـفهم هذه الصدمة المروعة ويتـفهم ما يتعرض له الشعب السوري وأطفال سوريا خاصة من ظلم وقـتل وتـشريد لكن توقف التعاطف الدولي عند حدود الدموع والتـقارير والتصريحات ولم يتحرك المجتمع الدولي لوضع نهاية لهذه الحرب الظالمة إلا بهدنة غير مؤكدة لمدة 48 ساعة! يا للعيب!
وقبل هذين الطفلين الذين انـتـشرت صورهما في الآفاق كانت هناك صور الطفل حمزة الخطيب أيقونة الثورة السورية لكنها صور عبرت المخيلة الدولية ولم يعد أحد يتـذكرها! ومن غريب المصادفات أن صور الطفل عمران تـزامنت مع الذكرى السنوية لمجزرة الكيماوي في الغوطة وذكرنا الأمر بصور أطفال الغوطة والتي كادت تـتسبب في نـشوب الحرب العالمية الثالثة لولا أن الضمير الدولي عاد إلى النوم سريعا ولولا أن القرار الأميركي عاد إلى أدراجه بتـقديم المصلحة الخاصة على ما تسمى حقوق الإنسان HUMAN RIGHTS وانكشف الضمير الأميركي أمام الملأ!
نعود إلى عمران وصوره.. تصدرت صور عمران نـشرات الأخبار وتـقارير الوكالات وتـفاعلت أغلب الدول ومسؤولوها مع الصور لكنه تعاطف لم يتجاوز أطراف اللسان. واشنطن على سبـيل المثال قالت إن عمران يـبرز «الوجه الحقيقي للحرب»! حسنا ألا يمكن إيقاف هذه الحرب يا واشنطن؟ ألا يمكن حماية أطفال سوريا كما تمت حماية قوات سوريا الديمقراطية في الحسكة؟ قبل عدة أيام قبلت واشنطن التحدي واستـنفرت طائراتها ومنعت طائرات نظام الأسد من الاستمرار بقصف مناطق سيطرة القوات الكردية في الحسكة بطلعة أو طلعتين لكنها أي واشنطن تعجز عن حماية الشعب السوري الأعزل الذي يُقـتل رجاله وأطفاله ونساؤه أمام أنـظار العالم على مدار الساعة!
ما حصل للطفل عمران كان نـتيجة قصف روسي متعمد لكن الروس ينفون كالعادة في ظل صمت دولي مريب! قال الناطق باسم وزارة الدفاع (القـتل) الروسية إن «الطائرات الروسية لا تستهدف أبداً أهدافا واقعة داخل المناطق المأهولة»! يـبدو أن هناك كائـنات روسية فضائية تـقصف بـيوت السوريين وتـقـتلهم! المضحك المبكي أن المسؤولين الروس ينـفون علاقـتهم بالقصف الذي أنـتج صور عمران المؤلمة بل ووصلت بهم مسرحية الكذب الفج إلى حد اتهام قوات المعارضة السورية المحاصرة في حلب بالقصف وتدمير المباني السكنية التي ينام فيها أطفالهم؟! من يقول للروس إن الموضوع ليس الطفل عمران فقط، بل الشعب السوري عن بكرة أبـيه والذي يتـفـنن الروس في قصفه بكل أنواع الأسلحة بما في ذلك القنابل الفسفورية والعنقودية والصور التي تـثبت ذلك منـتـشرة على نطاق واسع!
بالصور وبدون الصور، لقد شكلت مأساة أطفال سوريا بل مأساة الشعب السوري كله جرحا عميقا في ضمير المجتمع الدولي وشخصياته ومؤسساته ومنظماته! المجتمع الدولي اليوم ينصدم من الصور ولا يتحدث عن أسبابها! ومع كل صورة جديدة يتخيل الشعب السوري أن العالم سيتحرك لكن لا حياة لمن تـنادي! ما يحدث سقوط مخيف للضمير الدولي وصمت فظيع للأمم المتحدة ومجلس الأمن! التاريخ سيتحدث يوما ان الأزمة السورية كشفت المجتمع الدولي المنافق والضمير الدولي الميت ولن يغفر له!
د. صنهات بن بدر العتيبي

د. صنهات العتيبي