كتاب وأراء

عملية «درع الفرات».. عندما تمتـزج الدبابة مع الدبلوماسية

باحترافية عالية، مزج الرئيس التركي أردوغان بين الدبلوماسية والدبابة ليحقق طموحاته القديمة الجديدة وأهمها منع تواصل حديقتي الأكراد الشرقية والغربية في سوريا، ما قد يٌمّكن من قيام كيان كردي متصل على حدود تركيا الجنوبية! كانت هناك أولويات تركية خطرة مثل المنطقة الأمنة للسوريين المهجرين والمعذبـين ودفع الأكراد من مناطق غرب نهر الفرات وهزيمة «تـنظيم الدولة» وإزاحته عن المنافذ الحدودية ودخول تركيا عملياً في عمق الأزمة السورية، لكن لم تكن هناك سبل دبلوماسية تمكن الدبابات التركية من ترصيف الطريق لمعالجة مثل هذه الأولويات، في لحظة تاريخية مميزة تمكن أردوغان من تحقيق خرق دبلوماسي مهد لقيام عملية «درع الفرات» وإعلان مرحلة جديدة من الصراع الرهيب على الأراضي وفي الأجواء السورية.
كان من الواضح للمراقبين السياسيين أن دخول الجيش السوري الحر إلى جرابلس بدعم من الأتراك لم يكن سوى رأس جبل الجليد للاستراتيجية التركية الرامية لقطع الطريق أمام الأحلام الانـفصالية الكردية التي بدا كأنها على وشك التحقق بدعم من الولايات المتحدة وصمت من الروس ونظام الأسد!
لقد شاهد الأكراد الدبابات التركية تعبر الحدود السورية إلى جرابلس، لكنهم حتماً لم يشاهدوا التـغيـيرات في السياسة الدولية التي سمحت بهذا التوغل وما بعده، وأهم هذه التغييرات التـغير في الموقف الأميركي وهو على فكرة تـغير مرحلي وليس استراتيجياً، لكنه مهم!
في أعقاب الانـقلاب العسكري الفاشل في تركيا وشبهة التورط الأميركي لم يكن أمام واشنطن إلا غض الطرف عن سعي تركيا لتحقيق مطالبها القديمة، وعندما تجف الأقلام الناقدة لأميركا بسبب أصابعها الطويلة في موضوع الانـقلاب ستضع واشنطن الكثير من العصي في دواليـب الأتراك لإعاقة مشروعهم الحلم!
التغير الآخر كان في الموقف الروسي؛ فقد انـتـقلت موسكو بسرعة من العدو اللدود للأتراك الذي يحاصرهم ويقاطعهم ويهددهم إلى الصديق الودود الذي يلاطفهم ويتـفهم مطالبهم ويصمت عن تدخلهم البري في سوريا!
الدبلوماسية الروسية ترمي إلى تحقيق هدفين: إحداث صدّع في الحلف الأطلسي «الناتو» بالتـقرب إلى إحدى الدول المهمة على حدوده الجنوبية وثانياً تحقيق مكاسب على خط الأزمة السورية، ومن ذلك تـقبل الأتراك لبقاء الأسد في المرحلة الانـتـقالية وربما أكبر من ذلك! على كل حال موسكو لن تمانع تدافع دول قريـبة أو بعيدة للتورط في الأزمة السورية لغرض زيادة التعقيد والتداخلات في المصالح ما يمكن تحالف الشر (الروسي، الإيراني، الأسدي) من تحقيق طموحاته الشريرة!
الدبلوماسية التركية التي سبقت الدبابات كانت خطيرة وقاطعة إلى درجة أنها كسرت الكثير من التابو في السياسة التركية الحديثة وفي مواقف أردوغان نفسه! قبل أشهر قليلة بدأ أردوغان رحلة تعديل السياسة الخارجية التركية للتخفيف من تـزايد العزلة الدولية ولمواجهة المخطط الدولي الجهنمي الذي بدأ يتبلور جنوب تركيا بل في إسطنبول التي شهدت أحداث عنف نـفذتها الجماعات الكردية أو تـنظيم الدولة وأثرت كثيراً على الاقـتصاد التركي والسياحة خصوصاً، قـفزات دبلوماسية سريعة تم من خلالها تطبـيع العلاقات مع إسرائيل وروسيا دفعة واحدة، وتحولات سياسية خطرة تم من خلالها تغيـير حذر في النبرة تجاه نظام الأسد والتدخل الإيراني والروسي في سوريا فظهرت تركيا بوجه سياسي جديد ولا أحد يعلم حقيقة عن المواقف التركية الأصيلة وهل ستعود بعد انـتهاء العاصفة الجنوبـية أم أن الأمور ستـتعقد أكثر.. الأيام ستخبرنا.
صحيح أن هذه التغيرات التي حصلت في السياسة التركية كبـيرة وخطيرة، لكن الوضع السياسي في المنطقة قبل الانـقلاب العسكري الفاشل كانت تدعو تركيا للتحرك فقد وصلت السكين الكردية إلى الحلق وبلغ الخذلان الغربي لتركيا حداً لا يمكن الصبر عليه، أما بعد الانـقلاب فالتحرك التركي أصبح ضرورة ليس فقط لمعالجة المشكلة الكردية جذرياً بل أيضاً لاستـغلال حالة الشرود التي ضربت الإدارة الأميركية وهي تسعى لإخفاء ما يمكن إخفاؤه من علاقـتها بعملية «كش ملك» على أعتاب فندق قراند يازيجي في منطقة مرمريس!
رغم أن التدخل التركي كان سلساً في أول خمسة أيام من العملية وأول خمسين كيلومتراً من الأراضي السورية فإن ليل تركيا مع هذه الأزمة سيكون طويلاً وطويلاً جداً!
دخول تركيا الحذر إلى المستـنقع السوري لا يعني أن تركيا تواجه هذا الخطر فقط فهناك مخاطر أكبر في عمق الأراضي التركية نفسها!
أخبار اليومين السابقين رصدت زيادة نوعية في العمليات التي يشنها حزب العمال الكردستاني في تركيا ما يشير إلى أن الأقدام التركية قد انزلقت في «المستـنقع الكردي» القديم الجديد ومن خلفه رعاة لا يهمهم إلا تـقسيم المقسم وتـفـتيت المفـتـت!
د. صنهات بن بدر العتيبي

د. صنهات العتيبي