كتاب وأراء

وقفة: ما قبل داعش وما بعده

يمكن لكل مراقب للأحداث الجارية في سوريا والعراق أن يدرك أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، قد بدأ يتراجع فعليا ويخسر مواقع جغرافية كانت تحت نفوذه السياسي والعسكري. وبغض النظر عن المحاولات الدعائية التي يروجها التنظيم (مثل الفيديو الأخير الذي تضمن إعدامات بالجملة لمن يعتبرهم مرتدين) فإن الوقائع على الأرض تثبت هذا الأمر.
وقد لا يكون انهيار التنظيم مفاجئا أو بصورة مباغتة بالنظر إلى ما يبديه من مقاومة عنيفة ضد القوى التي يصارعها، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه وبشكل استراتيجي هل أن هزيمة «داعش» عسكريا تعني اضمحلال الفكرة ونهايتها؟
تاريخيا لم يكن ظهور هذا التنظيم سوى نتاج لسياسات خاطئة اقترفتها قوى دولية وأخرى إقليمية بالإضافة إلى الحكومات المحلية في إدارة الوضع الذي ترتب عن الغزو الأميركي للعراق سنة 2003. فقد انتهج هذا الاحتلال سياسة قامت على تحطيم البنى الاجتماعية التقليدية وضرب منظومة التعايش وتوظيف المنطق الطائفي والعرقي من اجل إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية، ولكنها في غالب الوقت كانت تنجز عملية الهدم من دون أن تعيد البناء مسببة انهيار منظومة القيم الاجتماعية وممزقة روابط التكافل والتحكم الاجتماعي الطوعي وهو ما أفضى إلى انتشار الفوضى وانعدام الانسجام الاجتماعي وضرب الوحدة الوطنية في أساسها ونعني به منطق التعايش السلمي الذي ترسخ لقرون طويلة. واليوم تحاول الولايات المتحدة تعبئة الجهود من اجل شن حرب على خصم هو نتاج الظرف التاريخي الذي أسهم الغزو الأميركي في خلقه بل وقام بضخ الدماء المتجددة فيه عبر سياسات حمقاء تجلت في دعم جهات على حساب أخرى، وهي في معركتها اليوم حتى وإن تمكنت من ضرب البنية العسكرية لداعش واستطاعت تدمير معظمها وتشتيت مكوناتها فإنها لن تستطيع منع ظهور نموذج مماثل يستمد عنفوانه من مظلومية يشعر بها قطاعات واسعة من شعوب المنطقة. وإذا أضفنا إلى هذا المزيج الممارسات الطائفية للنظام القائم في العراق والمنخرط تماما ضمن الأجندات الإيرانية التوسعية فإنه من الصعب إيجاد أرضية حقيقية لتحقيق التعايش ومنع استمرار الحريق. إن الحرب ضد داعش وان بدت قتالا ضد قوى مدفوعة إيديولوجيا وجماعات أصولية تتبنى فلسفات أخلاقية ساذجة بدلا من تصور حقيقي لمعنى الدولة أو نظام الحكم المنشود إلا أنها تخفي في جوهرها نزوعا جوهريا للتمرد لدى فئات شعبية واسعة مَثَلَ الغزو الأميركي وما أفضى إليه من خلق حكم طائفي مغلق مدعوم من النظام الإيراني المسكون بهاجس الهلال الشيعي وما تبعه من تدمير منهجي لبناها الاجتماعية، تحطيما لآمالها في التطور الاجتماعي والسياسي، ولهذا فإن المعركة اليوم ضد تنظيم داعش اعقد من أن يتم اختصارها في حرب ضد جماعة إرهابية تهدد السلم العالمي كما تروج لذلك البروباغندا الأميركية وكل من شايعها وإنما هي تعبير فعلي عن أنماط من المقاومات المحلية التي تتشكل بصورة مستمرة حول مبادئ عامة وهويات ضيقة تنازع من اجل البقاء والاستمرارية في عالم يقوم على نمط من الإقصاء والإلغاء.
إجمالا بإمكان الحرب الحالية ضد داعش أن تبدأ وأن تحقق انتصارات عسكرية ولكنها لا يمكن أن تنتهي كما لم تنتهي حروب أخرى كثيرة من قبلها وكما قال تشرشل يوما «على السياسي الذي يستسلم لحمى الحرب أن يدرك انه ما أن تعطى الإشارة للحرب فإنه لن يكون المسيطر على السياسة لكنه سيكون عبد الحوادث غير المتنبأ بها وغير الخاضعة للسيطرة» لأن القوة الصلبة قد تحسم الهيمنة على الأرض ولكنها لن تخلق واقعا سياسيا ملائما وقادرا على الاستمرار. فقرار الحرب وإن كان امتدادا للسياسة غير انه لن يصلح ما أفسدته خيارات كبرى اعتمدتها الولايات المتحدة منذ لحظة اتخاذ القرار بغزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين وتسليمها البلد لنظام طائفي مغلق غير قادر على انجاز المصالحة الوطنية الشاملة والتي من غيرها لن تتوقف الحرب على الأقل في المدى المنظور.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي