كتاب وأراء

هل ينبغي الوقوع في حب العدو؟


من المعروف أن للسياسة منطقها الداخلي الذي يتجاوز العواطف، وأن للحكم إكراهاته التي تخرج عن منطق الأحكام المسبقة أو الذاتية لتتحول إلى ضوابط يتحرك ضمنها رجل الدولة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصلحة لشعبه. ولذا لم يكن غريبا من الناحية السياسية وكما تثبت الوقائع (تاريخا وممارسة) أن نجد علاقات بين الدول المتصارعة وبأشكال مختلفة تعبر عنها الحرب حينا والمفاوضات أحيانا. وكما للغة البنادق وقتها فإن للدبلوماسية أوقاتها فالحرب هي في النهاية مواصلة للسياسة ولكن بطرق أخرى كما كان يقول كلاوزوفيتش. غير أن هذا المنطق من العلاقات بين الدول أو حتى بين حركات التحرر الوطني والدول التي تحتل بلادها لا يمكن أن تتحول بحال من الأحوال إلى نوع من العلاقات المبتذلة الفاقدة لمعنى الكرامة الوطنية أو حتى لمنطق المصلحة السياسية.
ومن هذا المنطلق يمكن أن نحاول فهم طبيعة الحضور العربي في جنازة الرئيس الصهيوني السابق شمعون بيريز، فقد كانت طريقة حضور هؤلاء المسؤولين العرب بداية من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووصولا إلى وزير الخارجية المصري سامح شكري فاقدة لكل مغزى سياسي بالمعنى المتعارف عليه في العلاقة بين الشعوب العربية ودولة الاحتلال الصهيوني. حيث تعجز التبريرات السياسية ومهما كانت طبيعتها عن إيجاد تصور عقلاني لطبيعة ذاك الحضور وخصوصا طبيعة ردود الأفعال الباكية المتوجعة والتمسح بجثمان رئيس صهيوني هو في النهاية يظل في خانة الأعداء مهما تحدث البعض عما يسميه بالسلام الدافئ.
إن ما أثارته زيارة بعض المسؤولين العرب للتعزية في موت أحد الرؤساء الصهاينة يثير أسئلة مهمة حول طبيعة التصور الذي يحمله هؤلاء عن العلاقة مع الكيان الصهيوني حيث بدت الأمور تأخذ منحى العلاقة الودية المبالغ في عاطفيتها وإذا كان التبرير الجاهز هو وجود اتفاقيات سلام بين الطرفين، وبغض النظر عن مدى التزام الطرف الصهيوني بها، فإن الأمر يتخذ منحى البحث عن شرعية ما لدى الدولة الصهيونية لاعتقاد مسؤولي هذه الدول أن البوابة لنيل الاعتراف والدعم الدوليين يتأتى من التقرب من دولة الاحتلال. وهذا المنطق السقيم يعبر عن مدى ابتعاد السلطة الفلسطينية والنظام المصري عن شعبيهما باعتبار أن الشعوب هي المصدر الحقيقي للشرعية وهي في عمومها ترفض مثل هذه العلاقات مع العدو وتعتبر مثل هذا السلوك تأييدا لعدوانية دولة الاحتلال بل ومحاولة لمنحها صفة الدولة المسالمة القابلة للعيش المشترك وهو أمر أثبتت الحروب العدوانية المتتالية زيفه.
إن لهث النظام المصري وراء العلاقات الوثيقة مع دولة تشكل خطرا استراتيجيا على مصر في مقابل رفضه تطبيع علاقاته مع جزء واسع من شعبه يكشف عن الحالة المتردية التي وصل إليها النظام الانقلابي من حيث إنه يلتمس لنفسه مبررا للاستمرارية ولكن من خلال خدمة العدو وليس خدمة شعبه والنهوض بوطنه. وهو أمر ينطبق إلى حد ما على محمود عباس الذي يستأسد في صراعه مع أبناء وطنه وخصوصا من فصائل المقاومة فيما يظهر ودودا بشوشا حانيا في علاقته مع عدوه الذي لن ينظر إليه باحترام مهما بذل من جهد للتقرب إليه. لقد شكلت جنازة بيريز لحظة مهمة في كشف طبيعة بعض المسؤولين العرب ممن أصبح همهم إرضاء العدو على حساب مصالح شعوبهم، ولم يعد لمنطق العلاقة مع الخصم من الناحية السياسية أي معنى لأن هذه الأحضان «الدافئة» جدا لا تأتي في إطار مفاوضات لرفع الحصار عن قطاع غزة أو لفك القيود عن الأسرى أو حتى لدفع مسار التفاوض بشكل معقول نسبيا وإنما هي تعبير عن الخضوع للخصم والإقرار بأنه الرقم الفاعل والأكثر أهمية..
فهل وقع هؤلاء السياسيون العرب في حب العدو؟
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي