كتاب وأراء

قانون جاستا : أسد الغابة يكشر عن أنيابه!


كما هي عادة الإدارة الأميركية فهي تبحث دوما عن آليات للسيطرة على الوضع الدولي سياسيا واقـتصاديا وتـفـتـش عن أدوات للضغط على الدول والتدخل في شؤونها! كما وضعت أميركا قائمة الموت للدول التي تدعم الإرهاب وقائمة دول محور الشر من قبل، ابتكرت اليوم قانون جاستا (العدالة ضد رعاة الإرهاب) رغم الاعتراضات والانـتـقادات المحلية والدولية!
من السهولة بمكان ملاحظة البعد الاستراتيجي لقانون جاستا في خاصية الضغط المتولدة من القانون. فالدول المتمردة أو التي تـنوي التمرد على رؤية العم سام جدا! ستجد أمامها عقبة التخلص من الأنف الأميركي الذي سينبش ويـبحث عن عملية هنا أو هناك لتجميد قدرة الدولة المتمردة على المواصلة! الاستراتيجية الأميركية الخطيرة في الشرق الأوسط والتي تأكدت مع حدوث تغيـر ملموس في التحالفات تجاه تعميقها مع الصديق الإيراني الجديد والأقليات المنسية مثل الأكراد والطوائف والجماعات التي تـنافس المكّون السني، كل ذلك يستلزم السير على منحدر خطر بسبب مقاومة الدول المتـضررة من هذه التحولات! قانون جاستا عكاز لا يقدر بثمن لفرض الاستراتيجية الأميركية رغم خطورتها!
في الجانب السياسي يـبدو أن قانون جاستا يندرج تحت بند «التعويض» بحيث يعوض حالة من الضعف انـتابت السياسات الأميركية في العالم خاصة منطقة الشرق الأوسط! عدم قدرة الإدارة الأميركية على فرض رؤيتها السياسية في المنطقة وبروز بعض التحديات السياسية المحرجة وتـزايد أعداد المتمردين على القرار الأميركي كل ذلك استلزم إصدار فيتو من الكونغرس الأميركي على الرئيس الذي سيرحل قريبا وذلك لإقرار قانون جاستا بأغلبـية تاريخية (97 مقابل 1) ! ماذا يفيد هذا الأمر؟ يفيد أولا أن القانون جدي وأقر لينـفذ وليكون أداة من أدوات الإدارة الأميركية الجديدة سواء ديمقراطية أم جمهورية! قانون جاستا يقرع الطبول والإدارة الأميركية الجديدة ستكمل سيمفونية الرعب!
من الناحية القانونية، يعتبر الاستـثـناء من القاعدة القانونية التي تعزز الحصانة السيادية للدول أمرا خطيرا سيحول المجتمع الدولي إلى غابة صاخبة، القوة فيها كما هو معروف للأسد وليس هناك أقوى من الأسد الأميركي لفرض رؤيته بقانون القوة وقوة القانون! هناك من يقول إن إقرار القانون شيء وتـنفيذه شيء آخر لكن الإدارة الأميركية تـقول إن قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب قابل للتـنـفيذ حسب التعريف الأميركي لخدمة المصلحة الأميركية!
سيكون تـنفيذ هذا القانون المثير مثل ما سبقه من قوانين وقرارات وإجراءات أميركية ضد دول مخـتلفة ولن تجد الإدارة الأميركية صعوبة في تبرير ما تـفعله حتى لو استخدمت التهويل مثل قصة صناعة قـنابل نووية في شاحنات الخضار والفواكه! بل لن يختلف توظيف هذا القانون من قبل الإدارة الأميركية إذا أرادت عن توظيف الإدارة نفسها للمنظمات والمؤسسات الأممية (الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية وصندوق النقد الدولي وغيرها) لفرض رؤيتها ومصادرة إرادة الدول المستهدفة! هناك من يقول إن القانون سيضر بأميركا نفسها لجهة فـتح الباب أمام الأفراد والمؤسسات في دول أخرى لمقاضاتها لكن سؤال التحدي يقول: من يجرؤ؟ في الغابة، القانون في خدمة الأقوياء!
البعد الاقـتصادي لقانون جاستا ذو شقين كلاهما مر! قد يسارع النظام القضائي الأميركي بتجميد أموال وأرصدة الدولة المستهدفة وهذا بحد ذاته حبل مشـنقة اقـتصادية يُلف على عنق هذه الدولة ويبقي في الاقتصاد الأميركي أموال سهلة لسنوات سرمدية طويلة! علاوة على الحبل المشدود سيتم استـنزاف جيوب الدولة المستهدفة بتكاليف المحاكم وأتعاب المحامين في محاكمات سرمدية وطويلة، والمستـفيد لن يسأل عن الوقت مهما طال! هناك من يقول إنه بإمكان الدولة المستهدفة التـفكير في الانـتقام الاقـتصادي والمعاملة بالمثل وسحب استـثماراتها لكن كل هذا لن يتحقق في عالم الافـتراس!
يلاحظ في قانون جاستا أمران! أولا أن القرارات والقوانين والإجراءات الأميركية المثيرة للجدل تصدر عادة في سنة البطة العرجاء فلا يتحمل وزرها أحد! ولعل العالم المصدوع يتـذكر زلزال الأزمة المالية العالمية، الذي وقع في آخر أيام الإدارة الجمهورية السابقة، فهز الكون وتسبب في تبخر استـثمارات ضخمة في النظام المصرفي الأميركي! ثانيا أن قانون جاستا صدر بتعاون وثيق بين الجمهوريين والديمقراطيين فأول من حرث عن قانون كهذا واقـترحه نائب ديمقراطي وأكبر من رسخه وجعله تـشريعا نافذا أغلبـية جمهورية! إذن قطار جاستا سينطلق وقد يدعس الكثير من الدول لكن يـبدو أن المستهدف الأول سيكون تلك (الدولة) التي تملك مدخرات وأرصدة واستـثمارات عند أسد الغابة المتعنت!
بقلم : د. صنهات العتيبي

د. صنهات العتيبي