كتاب وأراء

مجلس الأمن الدولي .. فشل تلو فشل

شهدت أروقة مجلس الأمن خلال الأيام الماضية منافسة حامية الوطيس بين المشروع الروسي والمشروع الفرنسي حول سوريا، وكلاهما فـشل استكمالا لفـشل مجلس الأمن والأمم المتحدة في معالجة مشاكل العالم البسيطة منها والمعقدة! من المفهوم إن المشاكل المعقدة صعبة الحل لكن من غير المفهوم أن تبدع الأمم المتحدة ومجلس الأمن بتحويل المشاكل البسيطة إلى شائكة ومعقدة كما يحصل في مشاكل دول الربيع العربي خاصة سوريا وليبيا واليمن! لقد أصبح ظهور المندوب السامي للأمم المتحدة على سطح أية مشكلة أو قضية علامة بارزة من علامات الكيد الدولي لتعقيد هذه المشكلة أو القضية وجعلها بعيدة عن الحل كبعد الثرى عن الثريا!
بعد التحذيرات التي وجهها مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بخصوص الأحياء الشرقية لحلب التي قال إنها ستدمر بالكامل بحلول نهاية العام، عقد مجلس الأمن جلسته الطارئة حول سوريا وناقـش مشروعين، المشروع الفرنسي واسقطته روسيا بالفيتو والمشروع الروسي الذي لم يجمع العدد اللازم حيث حصل على أربعة أصوات فقط واحد منها صوت عربي مهزوز ومخجل! فـشل المشروعان لكن المهمة الروسية في احتلال وتدمير سوريا سوف تستمر والأمم المتحدة تـتـفرج! ولن ينـقذ أحد الشعب السوري كما لم ينـقذ أحد سكان سربرينيتـشا الذين قـتلوا وقوات الأمم المتحدة تـتـفرج!!
من الملاحظ بل من المؤسف وجود توافق كبير بين تصريحات دي ميستورا والمشروع الروسي بل الاستراتيجية الروسية في سوريا! التوافق يـبدأ من تحديد موعد لانـتهاء الخطة الروسية القاضية بتدمير حلب وتسليمها جثة هامدة لنـظام الأسد وأعوانه الإيرانيين والميليشيات الطائفية حتى يتم بعد ذلك تـشريحها وتطبـيق التغيـير الديموغرافي عليها تماما كما حدث في حمص وداريا والموعد يوافق نهاية السنة الحالية! يدعو الروس في مشروعهم الفاشل إلى فصل المسلحين التابعين لجبهة النصرة كما يقولون عن بقية المقاتلين، وهذه هي نفسها فحوى تصريحات دي ميستورا عندما طالب بإخراج مقاتلي جبهة النصرة من أحياء حلب الشرقية، توافق مريب!
روسيا استخدمت حق النـقض الفيتو لإسقاط المشروع الفرنسي الذي يدعو إلى وقف فوري للعمليات القـتالية وإدخال المساعدات الإنسانية وإنـقاذ حلب! هذه هي المرة الخامسة التي تستخدم فيها روسيا حق النـقض في الأمم المتحدة ضد مشاريع قرارات تـتعلق بالشعب السوري الذي يُقـتل بالمجان وكل ذلك من أجل حماية نظام الأسد المتوحش! ألا تخجل الأمم المتحدة من قصورها عن حماية شعب بريء يٌـقـصف ويٌـقـتل ويٌهجر ويٌمارس ضده التطهير الطائفي بأبشع صوره؟ ألا يخجل مجلس الأمن لأن نظامه يمنح القاتل حق النـقض الفيتو ليغطي على جرائمه ويـبرر مواصلة القـصف وتدمير المستـشفيات على مرضاها والعمائر السكنية على سكانها وغالبيتهم أطفال ونساء؟
يعتبر المشروع الروسي امتدادا للاتفاق الروسي الأميركي الفاشل مع إضافة «عقدة» لا تخفى على أحد وهي ضرورة فصل مقاتلي جبهة النصرة، كما يقول الروس، عن بقية مقاتلي المعارضة السورية في حلب! بالله من يستطيع أن ينزل إلى أزقة حلب المدمرة ويفصل المقاتلين واحدا واحدا حسب التصنيف الروسي! هذه تمثيلية سمجة كما قال المهندس عبد الله المعلمي مندوب السعودية في الأمم المتحدة ومن الواضح أن هدف روسيا من مشروعها هو كسب المزيد من الوقت لقـتل السوريين وتـنـفيذ المخطط الروسي لصالح نظام الأسد وإيران وعصاباتها الطائفية!
وهذه العقدة تـشابه إلى حد كبـير «عقدة» تم وضعها في سيئة الذكر محادثات جنيف وتقضي بـ «إعداد قائمة بالتـنظيمات والجماعات داخل المعارضة السورية التي تٌـصنف إرهابية حسب المقياس الروسي وفصلها عن الجماعات التي لا تصنف إرهابية حتى يتم قصف الجماعات الأولى وإعفاء الجماعات الأخرى»! على من يلعبون؟ المشكلة إن حكومة الأردن مثلا تحمست للفكرة وقضت أكثر من ستة أشهر وهي تعد قائمة مثل هذه! وحالما انـتهت منها أٌعلن عن فشل وتوقف محادثات جنيف بمختلف أرقامها واحد وأثنين وثلاثة..!
وبالمثل تحمست حكومة السيسي للمشروع الروسي وصوتـت معه في مخالفة للعديد من الدول العربية والإسلامية وكأنها انـقادت للدب الروسي بدون عقل ولا تـفكير! سؤال محرج: هل من السهل خداع العرب أم هم يريدون أن ينـخدعوا؟
من يفهم لعبة الموت والوقت التي تلعبها روسيا في سوريا؟ الروس يـبحثون عن مزيد من الوقت و«تمطيط» المفاوضات ومناقـشة القرارات للتمكن من قـتل أكبر عدد من السوريين وإرهاب الشعب السوري وإجباره على «نموذج داريا» ومن قبلها حمص والزبداني ومضايا!
روسيا كما استدرجت أميركا لمفاوضات طويلة وفاشلة من أجل شراء المزيد من الوقت (مع إن أميركا لا تمثل الشعب السوري)! حاولت في مشروعها استدراج المجتمع الدولي كذلك من أجل إنهاء مهمتها في حرق حلب قبل نهاية العام الميلادي الحالي، والمجتمع الدولي يتـفرج!
د. صنهات بن بدر العتيـبي ..

د. صنهات العتيبي