كتاب وأراء

عبدالله غانم البنعلي المهندي .. الرسوم الدراسية.. بلا رقابة!

يعتبر التعليم أكثر قطاعات الدولة حيوية وتأثيراً على الشعب نظراً لاتصال التعليم بالأبناء ومدى تأثيره على مستواهم العلمي والثقافي والتربوي، فإن التفوق في المستوى التعليمي لدولة ما، يترتب عليه ارتفاع المستوى الاقتصادي والحضاري والأخلاقي للمجتمع.

وبإعلان المجلس الأعلى للتعليم عن اعتماد معايير علمية وشفافة في التعامل مع طلبات زيادة الرسوم المدرسية التي ترده من المدارس الخاصة، بما يضمن سلامة العملية التعليمية بكافة أوجهها.

وقد تناولت جميع وسائل الإعلام المحلية خلال الفترة الماضية شكاوى أولياء الأمور من زيادة كبيرة في المصاريف المدرسية في بعض المدارس الخاصة والدولية، وقد قام المجلس الأعلى للتعليم بالرد على تلك الشكاوى - في جميع وسائل الإعلام المقروءة منها والمسموعة والمرئية - ومن خلال تحليلي المتواضع لهذه النقاط ومن منظر المصلحة العامة وبحيادية تامة ومن خلال فحص وتمحيص تلك الشكاوى وهذه الردود من قبل التعليم لنعلم ما لنا وما علينا من تلك الأمور نعرض في هذه المقالة ما نرى أنه يخدم أولياء الأمور والمدرسة في نفس الوقت..

- هناك شكاوى من زيادة الرسوم المدرسية في كثير من تلك المدارس وقد أعلن المجلس الأعلى للتعليم أنه حدد نسبة الزيادة للمدارس من 2 إلى 10 %، وأن إجمالي المدارس التي زادت نسبة الرسوم بها إلى 10 % لا تتعدى الأربع مدارس، كما تم رفض العديد من طلبات المدارس لزيادة رسومها الدراسية بعد التأكد من أن الأوضاع المالية للمدرسة مستقرة ولا تحتاج إلى مثل تلك الزيادات.

- وهناك شكاوى من قلة المدارس غير المشمولة بالقسائم التعليمية.. وكان المجلس الأعلى للتعليم قد أعلن عن زيادة نسبة المدارس المنضمة للقسائم التعليمية من 65 مدرسة إلى 74 مدرسة خاصة ودولية «وهى 28 ألف ريال لكل طالب قطري تقسم على الفصلين الدراسيين بواقع 14 ألفا لكل فصل دراسي»، وهذا يتيح لجميع الطلاب القطريين الكثير من الفرص التعليمية المتميزة، فزيادة المدارس المنضمة للقسائم التعليمية يوفر الكثير من الخيارات أمام الطالب القطري، ويزيد من المنافسة بين المدارس في تخفيض الرسوم الدراسية وتقديم نوعية تعليمية متميزة وجيدة تليق باسم قطر ورؤيتها في تحقيق رؤية قطر 2030.

- اشتكى الكثير من أولياء الأمور من زيادة كبيرة فرضتها المدارس على الزي المدرسي وهذه شكاوى غير مبررة، إذ أن المجلس الأعلى للتعليم أعلن منذ العام الماضي أن ولي أمر الطالب غير ملزم بشراء الزي المدرسي من المدرسة وله الحرية في شراء الزي من أي مكان يراه مناسباً مع التقيد باللون الذي تحدده المدرسة، فتلك شكوى تعود إلى جهل الكثير من أولياء الأمور بتعليمات المجلس الأعلى للتعليم.

في هذا المقام أطالب الدولة بضرورة وضع الزيادة الكبيرة في الرسوم المدرسية في الحسبان مما يتطلب معه إما تخفيض الرسوم الدراسية وإما بزيادة قيمة القسيمة التعليمية لكل طالب قطري حتى تساعد الدولة في رفع بعض الأعباء المادية الملقاة على عاتق أولياء الأمور وتشجيع تقديم تعليم عالي الجودة في دولة قطر، وتوفير منهجية تقييم نزيهة للمدارس وشفافة تكون مبنية على أساس الأداء المدرسي والرسوم والوضع المالي، بالإضافة إلى مساعدة المدارس على تغطية التكاليف المتزايدة لتقديم تعليم عالي الجودة والتحكم في معدل زيادة الرسوم لحماية أولياء الأمور من تمادي المدارس الخاصة في زيادة الرسوم، فضلاً عن تشجيع الاستثمار في قطاع التعليم الخاص لتوفير المزيد من الخيارات والقدرة الاستيعابية..حتى لا تتضاءل فرص أبناء الطبقة الوسطى للانتفاع بالتعليم الخاص ومن ثم ستكون الفوارق الثقافية والتعليمية بين أبناء الجيل الواحد كبيرة ومؤثرة في تفكيك المجتمع..

إن هذه الزيادات المطردة على التعليم الخاص تتطلب تدخلا مباشرا من المجلس الأعلى للتعليم من خلال إعادة النظر في النظم والتعليمات السائدة لإتاحة مجال أكبر للمجلس لوضع رقابة على رسوم المدارس الخاصة وتحديدها ضمن سقف يمكن أن يمنع تغول أصحاب تلك المدارس على الناس، لأننا نعاني بشكل كبير من تحكم تلك المدارس في أعناقنا ورفعها الرسوم كل عام بشكل فاق كل ما هو مقبول في ظل وقوف المجلس على الحياد.

هل تحكم منطق الربح على العملية التعليمية والتربوية والحجج غير المقنعة التي تتذرع بها المدارس الخاصة غير مقبولة لرفع رسومها.

ومع حالة الركود الاقتصادي وتلاشي الطبقة الوسطى فإنّ ذلك سيدفع المواطنين إلى عزل أبنائهم وبناتهم عن مدارس التعليم الخاص..!

وتلك الطبقة ستعجز عاجلا أم آجلا عن مواكبة جنون الزيادة في رسوم المدارس الخاصة، وسيكون التعليم الخاص موسوما بنزعة طبقية واضحة.. سوف تتضاءل فرص أبناء الطبقة الوسطى للانتفاع بالتعليم الخاص الذي يتفوق بالتأكيد على التعليم الحكومي الذي يعاني من كثير من المشاكل، ومن ثم ستكون الفوارق الثقافية والتعليمية بين أبناء الجيل الواحد كبيرة ومؤثرة في تفكيك المجتمع، ويوسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وفي ذات الوقت الذي ستزيد فيه الفرص أمام أبناء الأغنياء، فإنها ستضيق بنفس السرعة والمدى أمام أبناء الأسر الأقل حظا. كما أن فتح المجال لأصحاب هذه المدارس للتحكم في الرسوم يحمل في ثناياه خطرا آخر، هو خطر «تسليع التعليم»، بمعنى أن التعليم المدرسي يعامل كما لو كان سلعة من السلع المعروضة للبيع في الأسواق!

لذا يجب على المجلس الأعلى للتعليم التدخل لتحديد هامش الربح في المؤسسات التعليمية الخاصة بحيث لا يتحول التعليم إلى سلعة ربحية، تؤثر على مستقبل أجيالنا.

الخلاصــة..

مما لا شك فيه أن الكثير من أصحاب تراخيص المدارس الخاصة والدولية يسعون إلى تحويل العملية التعليمية إلى عملية تجارية بحتة وذلك عن طريق محاولة الكسب المادي على حساب أولياء الأمور وحساب جودة العملية التعليمية المقدمة للطلاب، ولا نذيع سراً في أن عدد الطلبات المقدمة للأعلى للتعليم للحصول على تراخيص مدارس في أواخر العام الدراسي الماضي بلغ 96 طلبا، وقد علمت أن عدد الطلبات الجديدة والتي حققت بعض معايير الأعلى للتعليم بلغ 16 مدرسة كما أن طلباتها مازالت قيد الدراسة، ولم تحصل على موافقة مكتب المدارس الخاصة في العمل الدراسي هذا العام.

ونخلص من هذا التفاوت في الطلبات المقدمة والتي حصلت على موافقة مبدئية أن الكثير من رجال الأعمال يعملون على تحويل العملية التعليمية إلى عملية تجارية بحتة.

وأخيرا... نتمنى أن نسمع ونقرأ أن المجلس الأعلى للتعليم وجه إنذارا لإحدى المدارس المخالفة للقانون، وأن هناك متابعة مستمرة لكشوف المدارس الخاصة للتأكد من عدم الزيادة، لأن الواقع العملي يقول إنه لا رقابة صارمة على بعض المدارس!!

عبدالله المهندي