كتاب وأراء

من الموصل إلى حلب: الويل للعرب من شر اقـترب!

بعد تصعيد كلامي من الاتحاد الأوروبي وضغوط دولية، أعلنت روسيا عن هدنة من طرف واحد في سوريا وفي حلب خصوصاً وتوقف القصف الروسي المدمر على الأحياء الشرقية من حلب المحاصرة.. لكن الغريب في الأمر، أنه هدأت جبهة حلب (مؤقـتاً)، فاشـتعلت جبهة الموصل بالحريق الطائفي تحت إشراف دولي واستمر التوتر في بقية الأراضي العراقية والسورية وكذلك في اليمن وليبيا ومناطق أخرى ليجعل ذلك من المقولة الشهيرة «الويل للعرب من شر اقـترب» حقيقة سياسية صادمة في عصر ما بعد الربيع العربي!
شهدت سوريا، خاصة حلب وريفها خلال الأشهر الماضية هجوماً روسياً صاعقاً من السماء لدعم نظام الأسد والميليشيات الطائفية التي تعاونه على الأرض بهدف تـنفيذ الخطة الجهنمية التي تـقوم على (الصدمة والرعب) والتهجـير القسري! كان العنوان الرئيس للتدخل الروسي في سوريا هو تركيع الشعب السوري العظيم لصالح الأقلية المسيطرة ومازال! وقد يـبدو هذا مفهوماً بسبب مصالح الروس في المنطقة ورغبتهم في بقاء نظام الأسد والاحتـفاظ بسوريا المفيدة قريباً من المياه الدافئة! لكن الغريب (سياسياً على الأقل) هو أن أميركا والمجتمع الدولي كانا عوناً للروس ونظام الأسد في مخططاتهم وتحركاتهم حتى لو بلغت عنان السماء من الوحشية والتدمير!
من غرائب الأزمة السورية وكذلك العراقية أن الحرب الباردة التي يتحدث عنها البعض بين روسيا وأميركا تحولت إلى تـنسيق تام وعلى عيونكم يا عرب! مارست أميركا في سوريا التبريد السياسي كما الفريزر وصاحب ذلك ضغط أميركي رهيب على أصدقاء سوريا حتى لا يتحرك أحد ولا يسلح أحد الثوار السوريين لحين اكتمال المشهد الدموي الروسي بكامل شروطه! ومن الغرائب كذلك في الأزمتين أن الأمم المتحدة التي يتأمل فيها البعض خيرا تحولت إلى آلية دولية معتمدة لدعم ومساندة أميركا وروسيا لتحقيق أجنداتهم المعلنة والمخفية في سوريا والعراق! هل يُعقل أن المبعوث الدولي لسوريا دي ميستورا والذي يمثل المجتمع الدولي يطالب بتـنفيذ المطالب الروسية نـفسها حرفيًا بلا حياء ولا وجل!
غير بعيد عن حلب تٌسرد في الموصل قصة مشابهة تماماً! اشـتعلت أرض الرافدين وتحركت جحافل الميليشيات الطائفية على الأرض بدعم كامل أميركي من السماء نحو مدينة الموصل بحجة طرد تـنظيم الدولة، لكن الحقيقة المرة تـقول إن الهدف هو تركيع الشعب العراقي العظيم لصالح مخطط جهنمي لا يخـتلف كثيراً عما يحدث في أرض الشام! وقع سكان الموصل في فك الكماشة بين تـنظيم الدولة ودولة التـنظيم (حكومة العبادي وتـنظيماتها وميليشياتها وحشدها الشعبي) ولا خلاص إلا بالخيار الصعب: الموت أو الموت! باختصار، يمكن شرح مشكلة الموصل، مثل مشكلة حلب، إنها حرب مفروضة على شعب أعزل بحجة طرد «الإرهابيين»!
الملاحظة الرئيسة من القصة المأساوية التي تٌسرد في حلب والموصل هي أن التـنسيق الدولي يعمل على قدم وساق لتحقيق أجندات طائفية لصالح الأقليات على حساب المكّون السني في المنطقة في ظل ضياع عربي غير مسبوق ولا حتى في عصر الغزو المغولي! التدرج الجهنمي في العراق وسوريا يحرص على إشعال الحريق الطائفي ثم المشاركة لصالح الأقلية وسحق الأغلبـية أو تـشريدها ولا أحد يسأل عن حقوق الإنسان ولا عن الحرية والديمقراطية التي بُحت أصوات الشعوب العربية وهي تطالب بها! هذا ما يحدث في الهلال العربي الخصيب وهناك تـشابه مع اختلاف الظروف والمسميات في ليبيا واليمن ومناطق أخرى!
الملاحظة المحزنة من كل هذه الحروب المتـنقلة على الأرض العربية ومن كل هذا التحدي الدولي السافر هي أن العرب أصبحوا أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام! لقد فقد العرب القدرة السياسية للتأثير، كما فقدوا القدرة العسكرية منذ عشرات السنين، أما القدرة الاقـتصادية فقد غرقت في بحر النـفط الصخري المتدفق! استمر العرب سياسياً في سلوكياتهم العقيمة القديمة من التـشرذم والتحزب والوقوع في فخ الاستـقطاب لصالح الدول الاستعمارية المسيطرة على مسار الأحداث، إضافة إلى سلوك التـقليل من خطورة الأحداث حتى ينـتهي المتربصون من تحقيق أهدافهم! حدث مثل هذا أيام الحصار الإسرائيلي لبيروت عام 1982م! ولم يستـفق العرب، وهم كانوا أكثر ائـتلافاً وأقل استـقطاباً من اليوم، إلا على وقع تـنفيذ الشروط الإسرائيلية كاملة! واليوم مع حالة الضعف والتـفكك والضياع سيفيق العرب بعد تـنفيذ الأجندات الروسية في سوريا كاملة والأجندات الأميركية في العراق كاملة- لا قدر الله- وقد تـنسحب الأسطوانة على بقية المناطق والدول العربية المستهدفة فما زالت نظرية (الثور الأبـيض والثور الأسود) تعمل على الأرض العربية وفي السماء ومدلولها «الويل للعرب من شر اقـترب»!
بقلم د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي