كتاب وأراء

عبدالله غانم البنعلي المهندي .. وسائل التواصل الاجتماعي وعيالنا

كيف استطاعت وسائل التواصل أن تحل محل الحوار والمحادثة بين أفراد الأسرة الواحدة؟

وكيف استطاعت أن توسع الفجوة وتكريس الصراع بين الآباء والأبناء؟

وما هو أثر الوسائط العديدة للاتصال على تلاشي قيم التواصل الأسري وخصائص المجتمع التراحمي؟ وهل من وسائل لاستعادة الدور الرئيسي في التربية والتوجيه؟

كيف من الممكن أن نستخدم التكنولوجيا الاستخدام الأمثل بحيث لا تؤثر على علاقاتنا الاجتماعية؟ وكيف للآباء أن يتحكموا في إدمان أبنائهم على استخدام التكنولوجيا؟ وما هي الطريقة المثلى لتوجيههم لتصبح التكنولوجيا صديقة للأهل أيضاً؟

هل من الطبيعي أن يستخدم أطفالنا ببراعة لوحة الحاسوب والإنترنت وألعاب البلاي ستيشن في الوقت الذي يعجزون فيه عن ركوب دراجاتهم أو ربط أحذيتهم من دون الاعتماد على أحد؟

هل هو أمر عادي أن يفضلوا قضاء وقتهم مع الحياة الافتراضية داخل غرفهم الخاصة أكثر من ذاك الذي يقضونه وسط أهلهم وأصدقائهم..؟ أحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة:

فالكثير من الدراسات أثبتت أن أطفالنا يعيشون جهلاً اجتماعياً نتيجة العزلة التي نتجت عن إدمانهم لأحدث الصيحات التكنولوجية بمختلف مسمياتها.

إن في هذا الوقت الراهن يأتي دور أولياء الأمور، وأصحاب الآراء الحكيمة في المنازل، والذي أصبح شبه مفقود حاليًا، فعليهم أن يهتموا بالمسؤولية التي على عاتقهم؛ فيقوموا بالتحدث إلى أولادهم، ويقوموا بنقل خبراتهم السابقة في الحياة إليهم، والتحدث معهم بشكل سليم، فلا بد أن يكون لهم قدرة في تعديل سلوكهم إلى الأفضل، كما لا بد أن يقوموا دائمًا بتوعية أولادهم بإيجابيات التكنولوجيا الحديثة، وأنها سلاح ذو حدين، تنفع وتضر، حسب استخدام الفرد لهذه التقنية الحديثة.

التكنولوجيا أفرزت أنماطا كثيرة من التواصل الافتراضي الأنترنت مواقع التواصل الإجتماعي والألعاب الإلكتروتية..

التكنولوجيا.. تلك الكلمة كثيرة الحروف وكثيرة الاستخدامات والتي أضحت اليوم الشغل الشاغل للأفراد على اختلاف فئاتهم العمرية، بل إن الأمر تجاوز هذا الحد بكثير حتى أصبحت التكنولوجيا هوساً لشريحة كبيرة من أفراد المجتمع لايستطيعون الاستغناء عنها لا في سفر ولا مرض ولا تحت أي ظرف مهما كان حجمه.

ومع كل ذلك لايمكن أن يختلف اثنان أن لكل شيء مميزاته وسلبياته بل لكل شيء في هذه الحياة أفراد يتفقون معه ويحبونه وآخرون يكرهونه والتكنولوجيا هي من أحد هذه الأشياء فبالرغم من عدد معجبيها الكبير إلا أن لها أعداء.

لا أبالغ أننا نعيش الآن وأحيانا كثيرة ترى الأصدقاء وأفراد العائلة يجلسون في مكان واحد ويتحدثون مع بعضهم البعض عن طريق جهاز الآي فون..!!

إن الاتصال الشفوي بين الأشخاص وحديثهم وجهاً لوجه له طعمه الخاص والذي من المستحيل أن تقدمه لهم التكنولوجيا، فالأخيرة لاتقدم للناس لغة الجسد مثلاً وهي تلك الحركات التي يقوم بها بعض الأفراد مستخدمين أيديهم أو تعبيرات الوجه أو أقدامهم أو نبرات صوتهم أو هز الكتف أو الرأس، ليفهم المخاطَب بشكل أفضل المعلومة التي يريد أن تصل إليه، على العكس تماماً..

إن جهاز «الآي فون» قد زاد العُزلة بين أفراد الأسرة الواحِدة، إذ يُلاحظ المرء أن كل من معه هذا الجهاز يكون مَشغولاً به، ومنعزلاً عن محيطه الاجتماعي؛ وذلك لتوفُّر برامج الاتصال الاجتماعي مع الآخرين به مما يجعله معزولاً عن غيره، وبهذا الأسلوب يتقوى لدى هذا وأمثاله ملكة العزلة، والانطواء، ويكتفي بحركات أصابعه، ولمس أنامله شاشة الجهاز.

لاشك عمل الأب والأم خارج المنزل ايضا من الأسباب الرئيسيية..!! قد لا يرى الزوجُ زوجته إلا لساعاتٍ معدودة، بسبب عمله، وعمَلها خارج المنزل، بل ويصِل الأمر إلى أنَّ الزوج يُسافر من أجل العمل، أو تُسافر زوجته أيضًا، ويصبح الأولاد تحت رعاية الخدم؛ فتضعف عَلاقة الأولاد بالوالدين؛ لأنهم لا يجدون الحنان، ولا الشفقة، ولا التربية إلا من الخدم، وما يشاهدونه بالتلفاز وأجهزة التكنولوجياالحديثة..!

كما أن ضعف عَلاقة الزوجين بسبب الهاتف المحمول.. نتيجة انشغال الزوج بالعمل خارج المنزل؛ فإنه لا يستطيع أن يتخلى عن الهاتف المحمول، الذي يأخذ جُلَّ وقته حتى في منزله، ولا يستطيع أن يتحدَّث مع زوجته بعض الوقت.

انا هنا لست بالأخصائي النفسي أو الأجتماعي وانما بحسب رأيي المتواضع يوجد هناك عدة طرق لعلاج الحوار بين أفراد الأسرة.. وبدأت بها بنفسي..

على الآباء والأزواج اتِّباع نِظام أُسَريٍّ مُحَدَّد مُنظَّم..

عند اجتماع أفراد الأسرة في غرفة الطعام وقت تناوُل الوجبات يجب أن تُطفأ جميع أجهزة الهواتف أو التلفاز، حتى تُتاح الفرصة للتحدُّث والتحاوُر.

وأيضًا إغلاق أجهزة الهواتِف عند الدُّخول للمنزل؛ احترامًا لحرمة هذا المنزل..

إيجاد أوقات فراغ - ولو تكرر مرتين أو ثلاثا في الأسبوع - ليجلس جميع أفراد الأسرة لممارسة نشاط ترفيهي أو للتحاوُر.

ومن خلال الدراسات التي أجريت والأبحاث بأن هناك رؤية أخرى لتعزيز ثقافة الحوار في المجتمع..

تخصيص مادة في الدراسة الجامعية يتمّ فيها تدريس الحوار لا بالقواعد النظرية، بل بالتطبيق العملي، وهذا مطبّق في بعض الدول الغربية.

أهمية الحوار وضرورة تطبيقه للمعلمين والمدرسين في المدارس والجامعات التطبيق العملي المستمر.

فتح قنوات الحوار وفق الضوابط الشرعية مع الطرف الآخر.

إبراز حوارات السابقين من سلف هذه الأمة، بدءا بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم-، ثم الصحابة والتابعين– رضوان الله عليهم-، وضرورة الاقتداء بها.

تصحيح مفهوم الحوار الذي يظهر عند كثير من الناس أنه مجرد الجدال المضيع للوقت والجهد.

وقد تمثل الهدف النهائي للدراسة بتفعيل الحوار الأسري كوسيلة تربوية آمنة وفعالة في نجاح الحياة الأسرية مقابل عمليات التغريب الفكري والثقافي والتكنولوجي التي تتعرض لها الأسر داخل قطر. فيما ركزت الأهداف الفرعية على حجم انتشار التكولوجيا الحديثة وتطبيقاتها في المجتمع القطري بين القطريين أو المقيمين، وقياس طبيعة ومستوى الحوار في المجتمع القطري، سواء بين القطريين أو المقيمين، وقياس طبيعة ومستوى الحوار الأسري في المجتمع القطري بين أفراد العائلة، وقياس طبيعة وأثر التكنولوجيا على طبيعة ومستوى الحوار والتفاعل الأسري والعائلي.

الخلاصة..

توصل فريق بحثي أميركي من جامعة «يونغ بريغهام» إلى أنَّ قضاءَ وقت سعيد مع الأهل والأصدقاء، يُقلِّل من خطر الموت المبكر بنسبة 50%، وصرَّح أعضاء الفريق بأن العَلاقات الاجتماعية القوية مفيدة للصحة، وتأتي أهميةُ العَلاقات الاجتماعية في أنها تزيد في صحة الإنسان أفضل من اللقاحات التي تمنع الإصابة بالمرض، ذلك أن الإنسان خُلِق كي يعيش مع غيره، وأن عزلته عن الناس تُسبِّب له أمراضًا نفسية وصحية.

أخيرا... وجود العَلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة يعني وجود المحبة، والعاطفة، والمودَّة، وغيرها من الصفات الحميدة، التي تجعل الأسرة متماسكة ومترابطة.

عبدالله المهندي