كتاب وأراء

البيـــــروقـــراطيــــة

البيروقراطية نظام يقوم على السلطة الرسمية وعلى تقسيم العمل الإداري وظيفياً بين مستويات مختلفة وعلى أوامر تصدر من رئاسات إلى مرؤوسين ويعتبر النظام البيروقراطي ترشيداً للعمل الإداري. وقد يدل المصطلح على الأداء الحكومي أو التنظيم الحكومي، كما قد يستخدم للتعبير عن سيطرة الموظفين دون مبالاة على مصالح الجماهير ودون مسؤولية أمامهم!.

النظريـــــــــــــة البيروقراطيـــة..!

يعتبر ماكس فيبر (1864 – 1920) صاحب النظرية البيروقراطية من أهم علماء الاجتماع، ولذلك فإنه لم يهتم فقط بإدارة المشروعات الفردية وإنما كان اهتمامه بالمنظمات كبيرة الحجم باعتبارها وحدات اجتماعية. ويعد مفهوم البيروقراطية من أقدم المفاهيم الإنسانية وأعقدها على الإطلاق، نظراً لمعانيه المتعددة والتي تختلف وفق الهدف من وراء استعمالها فقد تعني البيروقراطية تنظيماً إدارياً ضخماً يتسم بخصائص ومميزات معينة، كما قد تعني مجموعة من الإجراءات التي يجب اتباعها في مباشرة العمل الحكومي بصورة عامة داخل المكاتب أو التنظيمات الإدارية.

كثيراً ما نسمع عن البيروقراطية وعن الاتهـامات الموجهة إليها. مع كل مشكلة اجتماعية أو إدارية نلقي اللوم كله عليها، وكأنّها باتت المشكلة الأولـى والأخيرة لجميع معاناتنا.

والحقيقة أن البيروقراطية صارت تُستـعمل اليوم وكأنّها مـرادفـة للتـعقيد والبطء الإداري والتعثر في العمل الإداري، صحـيـح أنّ ذلك من عواقب البيروقراطية، لكنـه من نتائج الإعـمال المـفـرط لهـا، فالبيروقراطية الزائدة أو الخاطئة نتائجها مأساوية، حالها حال أي دواء طبي متـقـن الصنع ومُـجـرّب يصفه طبيب متخصص لكن المريض يتناول جرعات أومقدارا أكبر من ذلك الدواء لأنّ الطبيب حددَ أكثر مما يلزم تناوله من الدواء، أو أنّ المريض تناول مخطئاً عن عمد أو سهو أكثر من المقدار والجرعات التي حددها ذلك الطبيب.

نعـم للبيروقراطية أمراض، لكن هناك فرقا بين البيروقراطية وأمراض البيروقراطية، ولذلك: يطلق في الإنـجليزية على «البيروقراطية» BUREAUCRACY بينما يطلق على أمراض البيروقراطية. «بيوريوباثولوجي».

أمراض البيروقراطية هـي: بعض الظواهر السلوكية والإدارية التنظيمية التي قد تصيب المنظمات وتؤثر في مدى كفاءتها، فيتحول النظام البيروقراطي إلى الاتجاه السلبي الذي يتميز بمخالفة روح القوانين والتعقيد الشديد والتقيد بحرفية التعليمات وتجمد العملية الإدارية وتجنب المسؤولية حتى يصل إلى الفساد الإداري الذي ينطوي على الرشوة واستغلال النفوذ والوساطة والانحراف عن أهداف المجتمع بوجه عام.

وهناك مصطلح آخـر مرتبط هـو: تَـدْعِـيـم البيروقراطية «بيوريوكراتايزيشن» أو التركيز على التنظيم الرسمي: وهـو العمليـة التي يكتسب عن طـريقها التنظيم الرسمي خصائص البيروقراطية بصورة مستمرة. والمـظهـر الرئيسي لهذه العملية يتمثل في الصياغة الصورية للقواعد والإجراءات، ومن الملاحظ أن تدعيم البيروقراطية له درجات ومستويات متفاوته في التنظيم، والمبـالـغـة في الرسمية يمكن أن يضيع معها الإحساس بالهدف.

مما تقـدم يمكن القول إنّ:

البيروقراطية نوع من أنواع التنظيم للعمل الإداري والبيروقراطية الصحيحة عبارة عن تنظيم يقوم على السلطة الرسمية وعلى تقسيم العمل الإداري وظيفياً بين مستويات مختلفة وعلى توجيهات تصدر من رئاسات إلى مرؤوسين مع إشراك المرؤوسين في اتخاذ تلك التوجيهات والتنظيم البيروقراطي يهدف إلى ترشيد العمل الإداري وإتقانه، وعليه يمكن أن نقول:

البيروقراطية الصحيحة دواء، «والبيوريوكراتايزيشن»، مرض يصيب المدراء والمخططين الإداريين «والبيوريوباثولوجي» مجموعة أمراض تنتشر في المؤسسات والمنظمات.

إذن لابـدّ من الأخذ بالبيروقراطية الصحيحة وبالمقدار الضروري اللازم المتناسب مع ظروف وشروط وسلوكيات المجتمع من جهة، والمؤسسة من جهة ثانية، والأفراد العاملين في المؤسسة من جهة ثالثة، والمؤسسات المنافسة المحلية والإقليمية والعالمية من جهة رابعة، والزبائن من جهة خامسة، والممولين وأصحاب رؤوس الأموال من جهة سادسة، والحلّ الوسط هو الطريق للتوفيق الناجح بين الجهات المذكورة، وإنْ كان شاقا.

نعم لابدّ من البيروقراطية لأنّها أداة تقسيم العمل وتحديد المسؤوليات والقواعد والإجراءات بهدف تنظيم العمل ولترشيد وإتقان العمل، ونحن مكلفون بالنظم والإتقان كما في الحديث النبوي الشريف عنه صلى الله عليه واله: «إنّ الله يٌـحِـبُّ إذا عـَمِـلَ أحـدُكم عمـلاًً أن يُـتـقـِنَـه».

هذا غير ما يلازم عدم تحديد مسؤوليات من مفاسد كضياع المسؤولية والمسؤول عن الخطأ لمساءلته، وعن الصواب والنجاح لمكافأته، والفساد الإداري والمالي، فالرقابة والمحاسبة والمساءلة والاستفسار والاستيضاح وكما هي الترقيات والعلاوت كله يصبح مستحيلا لكن حذار من الإفراط والروتين والتشريفات الإدارية الزائدة فالانغماس في البيروقراطية التي تقـود أحيانا إلى جنون البيروقراطية الذي يُـعـد نـوعا من أنواع الجنون الإداري.

الخلاصة.. المطلوب إذن من البيروقراطية الفعالة لكي تنجح عليها اختيار الأفراد بناء على الكفاءة والجدارة، وعدم المركزية، وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات..!

عبدالله المهندي