كتاب وأراء

مأساة مستـشفيات حلب .. الحرب على الإنسانية مستمرة !

الصور التي تـناقلتها وكالات الأنباء، عن مصورين وإعلاميين سوريين من داخل حلب، مفجعة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى! والأكثر فجـيعة بلا شك هو الصمت الدولي وخذلان أصدقاء سوريا وبرود السياسيين في الائـتلاف السوري والسكتة الدماغية التي أصابت العرب! الحرب على حلب هي حرب على المستـشفيات في المقام الأول واتـضح أن هدفها هو تركيع الشعب السوري كله وليس من يسكنون في حلب وأريافها! حلب الشهباء تـغير اسمها بعد العدوان الروسي الهمجي إلى حلب الشهداء وأصبح مصيرها ملطخا بالدم ومطوقا بالخذلان في كل مكان!
أفادت منظمات حقوقية دولية ومنها منظمة الصحة العالمية أن كل المستشفيات الميدانية في حلب أصبحت خارج الخدمة بسبب القصف. ونُقل عن مراقبين أن كل المشافي العاملة بمدينة حلب تـضررت نـتيجة القصف الممنهج والمستمر من قبل قوات النظام والطيران الروسي. هذا التدمير المتعمد للبنى التحتية الأساسية للحياة جعل سكان حلب المحاصرين بدون مرافق صحية تـقدم لهم العلاج أو تسهم في إنـقاذ أرواحهم ما يعني «قـتل جماعي» مع سبق الإصرار والترصد وعلى مرأى من العالم المتحضر!!
إنها حرب روسية ممنهجة على المستـشفيات والمؤسسات المدنية مثل مراكز الدفاع المدني وسيارات الإسعاف ولم تسلم مستـشفيات المنظمات الدولية والعاملون فيها مثل منظمة أطباء بلا حدود، بل حتى قوافل المساعدات الدولية صب عليها سوط عذاب! الصور تـنقل وقائع القصف والتدمير بشكل مفجع لكن المفجع حقا هو الصمت الدولي المطبق وكأن أهل حلب ليسوا من بني آدم! القـنابل العنقودية والفسفورية التي تـتساقط على مستـشفيات حلب اسقطت معها آخر ورقة توت عن إنسانية المجتمع الدولي! كما ألحقت ما يسمى (الضمير الدولي) بجثامين الأطفال الحلبيـين الخُدج الذين دفـنوا في حدائق المستـشفيات التي دمرت ودمرت داخلها حاضناتهم التي كانت تمنحهم الحياة!
أصدقاء سوريا لا تسمع لهم ركزا ولا تجد لهم تأثيرا حقيقيا على الأحداث المأساوية في حلب! بالرغم من أن أصدقاء سوريا يحملون أوراقا سياسية معتبرة تـخص الأزمة السورية منها قرارات مجلس الأمن 2042 و2043 والأهم 2139 إضافة إلى وعود من موسكو وواشنطن بقرب الحل السياسي كنـتيجة لجهود وضغوط سياسية لاجتماعات سابقة في عواصم مخـتلفة، إلا أنهم لا يفعلون شيئا يذكر! حتى الحديث عن التحقيق في الجرائم التي ترتكب والتهديد بمحكمة الجنايات الدولية لا يصل إلى مسامع القـتلة ولا يهمهم! الحالة السورية عموما وحالة مدينة حلب على وجه الخصوص لم يحدث لها مثيل ليس من حيث حجم التدمير والهمجية من أعداء سوريا بل كذلك من كمية البرود والسلبـية من أصدقائها!
ماذا يفعل السياسيون السوريون في الائـتلاف السوري وبقية مجموعات المعارضة السياسية؟ هذا هو سؤال المليون دولار! برود عجـيب وبلادة متـناهية تحيط بأقوال وأفعال السياسيين السوريين وكأن ما يحدث في حلب وأريافها يحدث في القطب المتجمد الجنوبي! المنطق يقول إن السياسي الذي لا يملك حلا ولا فعلا ولا قولا يجب ألا يُظهر وجهه للعامة ويدعي تمثيل شعب ينام تحت القصف ويستيقظ بالقصف ليس من طائرات مجهولة بل من مصدر واضح معلوم يعلن عن جرائمه في بـيانات رسمية! السياسيون السوريون لا يملكون القدرة على التأثير والإشارة إليهم مثلها كمثل الضرب في الميت، حرام!
وليس السياسيون العرب بأفضل حال من سياسيي المعارضة السورية! الدليل على ضعف يد الحيلة عند الساسة العرب يتـضح من خلال مراقبة رد فعل الجامعة العربـية وما أدراك ما الجامعة العربـية؟! جعجعة جامعة الدول العربـية تعالت عندما أرسلت تركيا عددا قليلا من الجنود إلى بعشيقة قرب الموصل لمحاولة إيـجاد موطئ قدم ينـقذ العرب السنة من عاصفة الحشد الشعبي ومن خلفه إيران بقضها وقضيضها، لكن الجامعة نـفسها تصمت صمت القبور وهي تـشاهد التدمير الروسي الممنهج لمستـشفيات حلب! بل تصمت الجامعة وهي ترمق حشود الميليشيات الإيرانية تحاصر حلب وتحرق الأخضر واليابس في أريافها، فهل بعد ذلك توجد منـظمة عربـية محترمة اسمها الجامعة العربـية، حرام!!
مهلا، هل يكمن السبب وراء مأساة حلب الشهداء في سياق هذه «اللحظة التاريخية الرهيـبة» التي نعيـشها حيث التـشرذم السياسي العربي والضعف الأوروبي المشهود والفراغ السياسي الدولي الواضح؟ أم أن السبب هو «اتـفاق دولي صارم» بتسليم ملف الأزمة السورية للدب الروسي وحلفائه بدون ولا كلمة؟ إن كانـت الأولى فلا خير في العالم ولا سياسته! وإن كانـت الثانية فلا خير في السياسة ولا عالمها! ولتصمد حلب أو تـخـتفي من الخريطة العربـية فقبلها كانـت داريا وكانـت حمص وكانـت الفلوجة!
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي