كتاب وأراء

اليمـن على صفيح الحزم!

تـتوالى الأخبار المشجعة من الجبهة اليمنية وجبهة تعز خصوصا، ما يفيد بتراجع زخم التمرد الحوثي العفاشي المشترك! لكن رغم ذلك يـبدو أن الطبخة اليمنية لم تكتمل بعد فما زال في الفرن اليمني الكثير من الغموض والتعقيدات والتوازنات وربما المفاجآت!

أولى بوادر الغموض تأتي كالعادة من الموقف الأميركي منذ ابتدعت أميركا لفظة «لعم» بمعنى أن أميركا غدت مترددة أكثر من التردد ذاته ولا تعطي إجابة حاسمة بـ«لا» أو «نعم» حتى لو طارت الغربان بالضحية إلى عالم المجهول!

إضافة إلى الاجندات المخفية HIDDEN AGENDAS التي أضحت تسير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وربما في العالم خاصة بعد الاتفاق النووي مع إيران وظهور بوادر الانسحاب الأميركي من مناطق التوتر التي يستطيع آخرون إدارتها! وليست كلمة «آخرون» هنا إلا مجموعة من الوكلاء منهم إيران (لعل ذلك من مساوئ الصدف)! وروسيا والبشمركة وميليشيات الأكراد على طول حدود الدم السورية-التركية!

المشكلة الكبرى في السياسة الأميركية الغامضة تجاه المنطقة هي أنها تـنفذ من تحت الطاولة أكثر مما تعد من فوقها وتعطي درجة عالية من الثـقة والرضا عن تصرفات «دول» معينة خاصة إيران وروسيا ويقـترن ذلك عادة بأعلى درجات الضغط والتذمر تجاه «دول» أخرى قد تجد نفسها في مواجهة حتمية مع «المشاريع الخطرة» التي يُخطط لها في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية. ظاهر هذه المشاريع يوحي بوجود أطماع سياسية محلية لكن باطنها (من الباطنية كذلك) يوحي بعودة غير سارة لشعارات «تصدير الثورة» التي ملأ ضجيجها الآفاق في أعقاب نجاح الثورة الإيرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي!

ينطبق على الحالة اليمنية وصف «صفيح ساخن»! وينطبق عليها كذلك وصف «عش الدبابـير»! آخر الأخبار تقول إن دبابـير تابعة لحزب الله اللبناني تقاتل مع ميليشيات الحوثيين قـتالاً مباشراً فلم يعد الأمر مقـتصرا على استشارات ومعنويات ومساعدات بل مشاركة قتالية فعلية على وقع أهازيج تقول بالروح بالدم نفديك يا «قم»! الأصابع الإيرانية التي ألهبت نيران الطائفية وأحرقت بها العراق وسوريا ما زالت تعمل في اليمن وهدفها «السيطرة»! وهذه الكلمة السحرية تضم تحتها كل أشكال عمل ونشاطات الدولة والمجتمع من دفاع وآمن واقتصاد وأعمال وثـقافة ودين، وعند هذه الأخيرة سيدور الرحى كثيرا بـ«الآمن القومي العربي».

التعقيدات في الأزمة اليمنية عديدة تبدأ بالأرض الصعبة والأسلحة المحمولة على الأكتاف ولن تـنتهي بتعقيدات العشائر وتحالفاتها مرورا بعقدة الأطماع السياسية من قبل الرئيس المخلوع والحوثيين وليس للأطماع نهاية كما يقال. كل ذلك يتحرك تحت النار بموازاة تعقيدات أكبر تدخل إلى المحرقة اليمنية عندما تضاف تعقيدات القاعدة وتـنظيم الدولة وأجهزة الاستخبارات العالمية المتجولة! لقد عانت الحالة اليمنية كثيرا من موجة اغتيالات هنا وهناك وفي ذلك إشارات كافية على تورط أجهزة استخبارات مختلفة لغرض تحويل اليمن إلى مركز «لعبة أممية» مستمرة!

من الناحية الاستراتيجية لا تُستبعد المفاجآت في الأزمة اليمنية فالاستراتيجية الكلية الثابتة في منطقة الشرق الأوسط تعمل على أن تبقى «الجروح مفـتوحة» إلى حين! يسمونها استراتيجية المحافظة على التوازنات المرعبة بين الأطراف المتصارعة حتى تُـنهي نفسها بنفسها في صراع يدوم ويدوم ويدوم! حدث هذا في العراق عندما تم تأجيج روح الانـتقام عند الطرفين ودفعهما نحو نفق طويل من العنف والعنف المضاد حتى يكاد المراقب لا يرى في نهاية النفق إلا الدم! وحدث هذا في سوريا أكثر من مرة خاصة مع نظام الأسد حيث نجا ثلاث مرات من المقصلة ولم تكن الأخيرة سوى تدخل روسي سافر وعلى مرأى من النظام العالمي المتبلد!

خلاصة الحديث عن الحالة اليمنية أنه يـبدأ وينـتهي بشكل ومستوى «الحزم»، تلك الكلمة السحرية التي ابتدأت بها العاصفة! الهدنة ووقف إطلاق النار الذي أُعلن في الأيام السابقة لن يكون حلا إذا لم يـتزامن مع ثلاثة أمور: ضمان وفاء المتمردين الحوثيين وحليفهم العفاشي والتوقف التام عن أحلام السيطرة العسكرية أو السياسية أو الجيوسياسية، ومعالجة الأزمة الإنسانية الضاربة بأطنابها على واقع الشعب اليمني، وقطع الأصابع التي كانت وما زالت تكيد لليمنيين وتضع اليمن من ضمن الدول المرشحة لكابوس «الفدرلة» أو التـقسيم مثل عدد آخر من الدول العربية المستهدفة!

بقلم د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي