كتاب وأراء

د. صنهات بن بدر العتيـبي.. التبريد السياسي لأزمات ساخنة !

تمر أغلب الأزمات المعقدة في وقت من الأوقات بنوع من (التبريد السياسي) حتى يمكن نزع الفتيل وحلحلة العقد الشائكة. حدث هذا في أزمات وحروب أهلية سابقة مثل الحرب العراقية- الإيرانية والحرب في البوسنة ولبنان وغيرها. وعادة ما تكون نتيجة التبريد السياسي لقضية ما أخطر من نتيجة الاحتراب العسكري، خاصة إذا جاء التبريد من قوى عظمى تسيطر على الوضع سياسيا وميدانيا على الأرض فتسعى لتحقيق مصالحها على حساب مصالح المتحاربين! ويبدو أن هذه هي الحالة في أزمات دول وأنظمة مثل سوريا وليبيا والعراق.

هناك ثلاثة تكتيكات تسند استراتيجية التبريد للأزمة: الإنهاك والترهيب وتحييد المعارضين. وكل هذه التكتيكات جرى تطبيقها من قبل روسيا وأميركا وبعض الدول الأوروبية على أطراف الأزمات في سوريا وليبيا وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. فالملاحظ مثلا أن الثوار السوريين هم الذين عانوا أكثر من النظام السوري عند تنفيذ هذه التكتيكات، وقد يكون السبب لأن الحل النهائي المخطط له يضر أكثر بالمعارضة لذلك يقع عليهم المزيد من الضغط والإنهاك والتحييد! ولم تكن عملية اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش إلا مقدمة للمزيد من الترهيب لمن يعارض المخطط!

في سوريا بالذات يتضح أن ثلاجات التبريد تعمل منذ 27 فبراير المنصرم (موعد بدء اتفاق إطلاق النار) ومازالت تعمل والهدف هو فرض (حل سياسي) على الأطراف حتى لو لم يكن في صالحها. وفي مسألة التبريد والتسخين في الأزمة السورية هناك مشكلتان: تعقيد الأزمة بكثرة الأطراف المتداخلة فيها، والمشكلة الثانية هي سهولة التسخين ونسيان كل خطوات التهدئة السابقة والرجوع إلى القتال الجامد من جديد!

المشكلة الأولى تتزايد بسبب تداخل وتدافع القوى العالمية والدول المجاورة لسوريا للتورط في الأزمة أكثر وأكثر، وقد تم إحياء الإرث التاريخي الطائفي وبُثت الروح في شرايين الحلم الكردي وجاءت دول مختلفة تبحث عن مصالح أو حلول لمشاكلها مثل الدول الأوروبية التي تريد معالجة مشاكل المهاجرين! كل ذلك تسبب في تعقيد الأزمة السورية حتى أصبحت مثلا دمويا للأزمة السياسية الشائكة. أما المشكلة الثانية فتتولد من ممارسات نظام متوحش ومعه ميليشيات طائفية تستطيع في لحظات دموية هدم كل ما يقال عن إجراءات ثقة يتم بناؤها، وليست مذبحة دير العصافير في الأسبوع الماضي إلا مثالا دمويا بسيطا على سهولة العودة إلى المربع رقم واحد!

في ليبيا هناك عملية تبريد ولكنها مختلفة نوعا ما بسبب اختلاف طبيعة الأزمة خاصة لجهة عدم وجود نظام طائفي متوحش يجلب المرتزقة الطائفيين لكي يقاتل بل يقتل شعبه ويهجرهم! التبريد في ليبيا، الذي بدأ مبكرا بجهود الأمم المتحدة، تزايد في الآونة الأخيرة مع تشكيل حكومة الوفاق بوجود حكومتين ضعيفتين وعدد من الميليشيا المبعثرة على طول الساحل والصحراء الليبية الواسعة. دخلت حكومة الوفاق طرابلس الأسبوع المنصرم معلنة بدء الخطوات الفعلية لتبريد الوضع الساخن لجهة تسهيل الدفع نحو «حل شامل» على مقاس الرؤية الغربية (الأميركية الأوروبية) للأزمة ومن ضمن هذا الحل قد تتولد حلول لمشاكل متنقلة مثل القبلية وميليشياتها وتنظيم الدولة والسلاح المنتشر ومرافق النفط وغير ذلك.

في سوريا أو في ليبيا من الواضح أن هناك تبريدا سياسيا يُدار ليحقق التوجه نحو هدف نهائي محدد تم الاتفاق عليه وآخر جملة فيه قد لا تحقق مصلحة أهل الأرض وإنما مصلحة أهل الغرف المغلقة! تسريبات من هنا وتسريبات من هناك تؤكد أن الحل المستهدف قد تم تحديده وأن كل هذه العمليات والمناورات والمفاوضات والتصريحات تأتي لتجعل الطريق نحو هذا الحل سالكة ومصير المتذمرين أو المعارضين ستكون إحداثيات مواقعهم متوافرة عند مدير العملية!

قد تستمر دورة التبريد والتسخين لهذة الأزمات المتطاولة لكن من المؤكد أنها ستكون الأزمات الوحيدة في التاريخ ربما التي تنتهي بدون الأطراف التي بدأتها أو أشعلتها بظهور وجوه جديدة من وقت إلى آخر! وعلى نفس المنوال سيقطف ثمرات النهاية مهما كانت، أطراف وجهات ودول لم تعان من شرور هذه الأزمات ونيرانها وإنما التهمت اللقمة اللذيذة بعد تعب الطباخين! وعلى ذكر الطبخ فإن أغلب المراقبين والمهتمين بالأزمة السورية يتسارون اليوم فيما بينهم عن نكهة هذه الطبخة التي أعدها وقلبها وصمت عنها الثـنائي كيري- لافروف مع أن كل المؤشرات تدل على أن رائحة سايكس- بيكو لن تكون بعيدة جدا عن أجواء المطبخ الجديد!

د. صنهات العتيبي