كتاب وأراء

النفط والغاز بين نمطين من التفكير

أخبار اسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة لم تكن جيدة وكذلك مواقف وسياسات بعض الدول النفطية تجاه هذا المنتج الاستراتيجي. لقد تجذرت عادة سيئة عند الدول النفطية خاصة دول الخليج في التعامل مع النفط حسب مؤشر الاسعار في البورصة العالمية فإذا ارتفعت الاسعار اطمأنت النفوس وجرى حلب النفط إلى أخر قطرة، وإذا انخفضت الاسعار تعكر المزاح وطفق الاقتصاديون يبحثون عن طرق وبدائل لتمويل النمط نفسه من النمو الاستهلاكي والنمط نفسه من الدولة الرعوية! مع انهيار اسعار النفط الذي صدع رؤوس الدول النفطية بدأت بعض دول الخليج العربي بفتح ملفات التنويع الاقتصادي لغرض تقليل الاعتماد على النفط وكأن هذه الحالة الاقتصادية مكتشفة حديثا وكأنهم لم يشاهدوا تجارب الدول المختلفة في التنويع الاستثماري المدروس.

التجربة النرويجية مثلا توضح أهمية التفكير الاستراتيجي في النفطك كسلعة قابلة للنضوب وسلعة قابلة لتدني الاسعار وتوضح كذلك أهمية التوقيت في بناء الاستراتيجيات والتخطيط سواء لتنويع القاعدة الاقتصادية أو استثمار الفوائض المالية.

بعض الدول النفطية تعاملت مع النفط خلال الطفرة النفطية كوسيلة مفضلة لتمويل الرفاهية والتوزيع غير المحسوب للثروة وفي مجالات أخرى تتبخر بسرعة فلا تبقى على الأرض ولا يمكن توظيفها في النمو والحركة عندما تخيم دورة الركود أو الكساد كما يحدث في أيامنا هذه.

بدلا من هذه النظرة القاصرة للنفط أو ما يمكن أن نسمية التفكير الوقتي في الثروة النفطية يفترض بالنسبة للدول النفطية أن يكون النفط والغاز دوما وأبدا «ركيزة الميزة التنافسية» لهذه الدول خاصة دول الخليج العربي فيكون النفط والغاز بمثابة (سلعة استراتيجية) ينظر اليها وفق التفكير طويل المدى كأساس للتنمية والنمو ولا ينظر اليها بالتفكير قصير المدى ك(بقرة حلوب) تدر الكاش أو كمنتج لمعالجة مشاكل وقتية في التدفقات النقدية أو حتى كأداة للترغيب أو الترهيب.

ورغم كون النفط والغاز سلعة استراتيجية إلا أن فكرة التخفيف من الاعتماد عليه لدى دول الخليج هي أيضا فكرة استراتيجية والأفضل أن يكون تنويع مصادر الدخل للدول النفطية معتمدا على النفط والغاز ذاته. ليس في ذلك لغز! تنويع مصادر الدخل استراتيجية أقوى إذا أسس لها حسب فكرة (سلسلة القيمة) للنفط والغاز فتنطلق الدولة النفطية في نشاطات ومراحل العملية الانتاجية للنفط والغاز بشكل جاد ومتخصص وليس بأسلوب الشحن والبيع السريع.

على سبيل المثال، إن تنويع مصادر الدخل للدولة النفطية يكون أجمل عندما ينتج من النمو الرأسي في تصنيع المشتقات النفطية بدلا من الاعتماد على تصدير النفط في براميل فيتحقق تنويع مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط بضربة واحدة. ولا أحد يقلل هنا من أهمية تنمية الإيرادات غير النفطية مثل التصنيع والخدمات والسياحة وغير ذلك لتحقيق تنويع مصادر الدخل.

الفكرة هنا تقول أن الدولة النفطية تخطيء عندما تتعامل مع النفط والغاز كمصدر للكاش وليس قاعدة للتنويع الاقتصادي ويكون الخطأ أكبر عندما يتم تقييم أهمية ودور النفط والغاز في اقتصاد الدولة النفطية بناء على الاسعار فيضمحل هذا الدور عندما تتجه الأسعار إلى الأدنى كما يحدث هذه الأيام! الفكرة هي أن يكون النفط والغاز سلعة استراتيجية وقاعدة للتنويع وأساس للميزة التنافسية للدولة النفطية حتى لو وصل سعر البرميل إلى أقل من عشرة دولار!

ومن أنماط التفكير طويل المدى في موضوع النفط والغاز بالنسبة للدولة النفطية أن يكون النفط والغاز محور التنمية البشرية فتنمو الكليات والمعاهد المتخصصة في هذه الصناعة وذلك لبناء التخصص المهني والتقني في الدولة. على سبيل المثال الدولة النفطية لا يجب أن تكون متخصصة في استكشاف أو استخراج النفط والغاز فقط (وهذه هي النشاطات الأولى لسلسلة القيمة النفطية) بل يجب أن تتخصص وتبدع في استكشاف واستخراج وتكرير وتصنيع وتوزيع النفط والغاز والمشتقات النفطية، بمعنى الدخول إلى عوالم النفط والغاز بالتخصص والإبداع وليس فقط في نشاط واحد أو مرحلة محددة.

ولأن الموضوع لا يكتمل الا بمثال فعلينا التركيز على الدول التي نجحت في بناء أسس التفوق في اقتصادها على منتج أو منتجين حتى أصبحت لديها «مرجعية» تقنية وعلمية فيها بحكم التخصص. ومن الأمثلة الجيدة مثال سويسرا مع الساعات والشكولاته وأسبانيا مع الزيتون وفرنسا مع الأزياء والعطورات. وكمثال أخر نجد أن كوريا مثلا لم تقتحم عالم الصناعات الالكترونية والتقنية إلا بعد جهود مثمرة في بناء البنية التحتية والقدرات الجوهرية لهذه الميزة التنافسية.

بناء القدرات الجوهرية CORE COMPETENCY للنفط والغاز، أو لأي منتج تريد دولة ما أن تتخصص فيه، لا يحدث في المعمل أو المصنع لكن يتم في الاقتصاد والمجتمع والثقافة على وجه العموم. وهذا هو نمط التفكير الاستراتيجي أو التفكير طويل المدي بالنسبة لسلعة النفط والغاز عند دول الخليج العربي التي تضيق لديها فرص التنويع لمنتجات أو مجالات أخرى.

د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي