كتاب وأراء

التحركات السياسية والتحركات العسكرية.. لمن الغلبة؟

شهدت المنطقة في الأسابيع الأخيرة جولة طويلة من التحركات السياسية المكوكية وجولات ساخنة من التحركات العسكرية في الوقت نفسه، فهل كل ذلك يأتي من باب التحركات التي عادة ما تسبق العاصفة أم إن العاصفة بعيدة جدا والمنطقة ستظل تحت الغيوم السوداء لفترة طويلة؟ القمة الإسلامية في إسطنبول وقمة أوباما مع زعماء الخليج في الرياض والمفاوضات اليمنية في الكويت والمفاوضات السورية في جنيف وحراك جماهيري في العراق وغيرها، كلها تحركات سياسية تزامنت مع تحركات عسكرية مستمرة خاصة في سوريا واليمن، فلمن الغلبة؟

شهد مسرح الأزمة السورية فشلا ذريعا للتـفاوض في جنيف وتم استـئناف المعارك التي لم تـتوقف أساسا! في حين شهدت الأزمة اليمنية هدنة هشة كذلك خففت من العمل العسكري قليلا واستؤنـفت عملية التـفاوض الخجولة في الكويت! وفي العراق استمر الضغط السياسي بوتيرة أعلى واستمرت العمليات العسكرية بوتيرة أخف وعاش العراق على وتيرة يحيط بها الغموض من كل جانب! الشرق الأوسط يغلي كالمرجل وكل المحاولات تستهدف إطفاء الحرائق ولم يصل الأمر إلى وضع «استراتيجية» واضحة المعالم لمعالجة أزمات المنطقة وأولها بطبيعة الحال الأزمات الإنسانية!

فيما يخص سوريا أعلن رئيس الهيئة العليا للمفاوضات انسحاب وفد المعارضة المفاوض في جنيف! وهو إعلان لم يحرك ساكنا لأن الروس ومعهم نظام الأسد يحاولون اختراق المعارضة (ومن ورائها الشعب السوري) سياسيا ومعاقبتها عسكريا قبل جنيف وبعدها! طوال الأسابيع الماضية عمل الروس ليل نهار لتـفصيل «معارضة» للنظام السوري على مقاس الرؤية الروسية، فتكونت معارضة حميميم (مجموعة سورية تزينت وتجهزت في قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية)! وتم الاتصال بمعارضة القاهرة (مجموعة سورية اجتمعت في القاهرة) ويتم الحديث عن ضرورة إدخال مجموعة موسكو (مجموعة من السوريين اجتمعوا في موسكو) كطرف معارض لنظام الأسد، لا وقت لدينا للضحك! أما على الجانب العسكري فقد استمر النظام وأعوانه بحرق المدن والبلدات السورية بدون رحمة وتحت أنظار العالم الصامت صمت المقبور!

أسس المفاوضات السورية في جنيف تقوم على القرار الأممي 2245 الذي يستهدف وقف القتال وإدخال المساعدات والانـتقال السياسي وإطلاق المعتقلين! لكن توقفت جميع الجهود الدولية عند «عقدة الأسد»! أم هي تريد التوقف! هذه أسس التفاوض لكن أسس الخديعة الأممية للسوريين تقول أن مفاوضات جنيف أصبحت وبالا على الشعب السوري فعندما يريد نظام الأسد إفشالها يقصف سوقا في إدلب أو يحرق بيوتا في دوما وعندما يريد استـئـنافها يرسل لميستورا أو غيره قائمة بالمعارضة الجديدة التي تعلفها روسيا وتسيطر عليها! يحدث هذا وأصدقاء سوريا يناقشون الحرب على الإرهاب!

في الكويت وصل وفد الحوثيين بعد طول تلكؤ وكأنه يقدم رجلا ويؤخر أخرى كما هو الحال على الأرض حيث يقدم وعودا بلسان غير بليغ من ناحية وقصفا وحصارا واستفزازا للحكومة الشرعية والناس وجيران اليمن من ناحية أخرى! المحادثات اليمنية في الكويت تسير بصعوبة بسبب كثرة الدواليب في عجلات التـفاوض والعمل العسكري متواصل ولكن بوتيرة أقل. أسس المفاوضات اليمنية في الكويت تقوم على القرار الأممي 2216 الذي يستهدف وقف القتال وإدخال المساعدات والانـتقال السياسي وإطلاق المعتقلين! ويلاحظ وجود نوع من التـشابه مع بنود القرار الأممي الخاص بالأزمة السورية وكأنهما يغرفان من بحر واحد وكذلك يوجد تـشابه في مآل وغاية المفاوضات أو التحركات السياسية في الأزمتين!

في الأيام الماضية، استدارت بوصلة الحرب في اليمن لتـتجه نحو تنظيم القاعدة الذي سيطر على أبين لمدة عام كامل ثم جاءت الهدنة بين الحكومة اليمنية والحوثيين لينتقل أزيز الرصاص وقصف المدافع إلى زنجبار وما جاورها! ومثل ما حصل في اليمن، مازالت الجهود تراوح في سوريا للوصول إلى قدر من التهدئة بين نظام الأسد وأعوانه من جهة والمعارضة السورية من جهة أخرى رغم فشل جنيف ومن قبلها فيينا! وكل ذلك من أجل التـفرغ لقـتال تـنظيم الدولة والجماعات الأخرى المصنفة إرهابية! هذا التـشابه في الحالتين السورية واليمنية من حيث سير المفاوضات السياسية والجنوح للتهدئة رغم الخروقات المريرة يطرح سؤالا مهما: هل التحركات السياسية في سوريا أو اليمن هي آلية حقيقية للبحث عن حلول نهائية لهذه الأزمات أم إنها تأتي لغرض البحث عن «وقت مستـقطع» لتهيئة التحرك العسكري ضد جماعات وتنظيمات أخرى مثل تنظيم الدولة والقاعدة، وبعد ذلك يعود القتال من جديد؟

بالنسبة لسوريا بالذات يكتسب هذا السؤال أهمية كبيرة في الضمير الإنساني الحي لكن ليس في الواقع السياسي سواء في المفاوضات أو على الأرض! لقد تجاوزت معاناة الشعب السوري كافة الحدود بسبب وحشية النظام وأعوانه القدامى والجدد! وعليه، قد يكون من المنطق الإنساني ألا يصر المجتمع الدولي على أولوية الحرب على تـنظيم الدولة أو القاعدة وترك أساس الإرهاب ومصدره وقاعدته الكبرى، تـنظيم الأسد! لكن كما يقال السياسة ليس لها منطق!

د.صنهات بن بدر العتيبي

د. صنهات العتيبي