كتاب وأراء

مذبحة سوريا.. دوافع سياسية أم جنونية؟

ستـظل (مذبحة سوريا) التي تـتم على قدم وبرميل لغزا محيرا في السياسة الدولية من جهة فهم دوافع مثل هذا العنف غير المبرر تجاه أناس لا يملكون تأثيرا على المواقف والأحداث ولا يملكون طريقة للدفاع عن أنفسهم وكذلك لا يجدون أصدقاء يدفعون عنهم صولة المستأسد الضاري جوا وحلفائه المستبدين على الأرض! وتـزداد الأمور تعقيدا عندما يتابع المراقبون تلك المواقف السلبـية والصامتة والمتواطئة لبعض الدول العظمى تجاه هذه المذبحة الوحشية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري!

حدثت أعمال همجية وعمليات عنف وقصف وحرق وقـتل من قبل في حروب عدة عالمية وإقليمية وكان بمقدور الساسة والمحللين تبرير هذه الأعمال أو تـفسيرها بحسب طبـيعة الحروب التي لا ترحم أحدا وظروف الصراع وموازين الرعب وغير ذلك لكن ما يحدث في سوريا خارج الصراع وخارج الموازين وخارج الحسبة! بالله ما هي موازين القوى أو الموازين العسكرية التي سيعدلها أو يـبدلها مخيم للنازحين في أقصى شمال إدلب ليس فيه سوى خيام وعجائز وأطفال وقطع من الخبز الناشف! فعلا، يعجز المحللون والساسة عن فهم ملابسات ما يحدث في سوريا لأن الحرب نفسها غير طبـيعية ومواقف أعداء سوريا وأصدقاء سوريا تجاهها أيضا قاتمة وغريـبة ولا يمكن فهمها!

في المأساة السورية، هناك حالات وصور مؤلمة لها تبريرات وأعذار أشد إيلاما! مثلا، قصف الطائرات الروسية بمباركة أميركية للمدنيين والمؤسسات المدنية في سوريا يـبرر بمحاربة الإرهاب (تـنظيم الدولة) لكن القـنابل الغبـية تـتساقط على رؤوس الأبرياء العزل وتضرب ألد أعداء تـنظيم الدولة (المعارضة السورية المعتدلة)، من يفهم! وكثيرا ما يتركز القـصف على مناطق بعيدة جدا مثل إدلب أو مدن محاصرة لا يتواجد فيها تـنظيم الدولة مثل حلب ودوما! مفارقة عجيـبة لا أحد يستطيع أن يفهمها! ولا أحد يستطيع أن يفهم كيف أصبحت دعاية الحرب على الإرهاب فرصة للقوى العظمى لممارسة الإرهاب وحرق المستـشفيات والمخيمات والمؤسسات الأممية على مرأى من الجميع؟! وكيف أصبح تـنظيم الدولة عذرا لقصف المدنيين وقتل الأطباء وتدمير سيارات الهلال والصليب الأحمر وحرق كل شيء أخضر أو أحمر، في التدمير كل الألوان سواء!

أكبر المحللين السياسيين قد يعجز عن تـفسير المغزى من قصف مستـشفى القدس في حلب التابع لهيئة أمميه هي »أطباء بلا حدود« الدولية! وسيعلن كذلك الاستسلام التام وعدم القدرة على تبرير قصف وحرق مخيمات اللاجئين البؤساء في إدلب! ولن يستطيع أن يتحدث عن الفائدة العسكرية المرجوة من قصف بيوت الناس المدنيين المحاصرين في حلب أو دوما وغيرها؟! وليس القصف، أماكنه وعنـفه وتدميره واستمراره، هو الشيء الوحيد الذي لا يوجد له تبرير أو يصعب فهم دوافعه بل هناك أيضا مواقف الدول العظمى وأصدقاء سوريا تجاه هذا العنف الدموي الموجه من علو نحو أناس أبرياء بدون حيلة!

بالأمس القريب عرقلت روسيا كما هي عادتها مشروعا أمميا خجولا يحاول! إدانة جرائم نظام الأسد في حلب! كان المطلوب من الأمم المتحدة إصدار بـيان صحفي يدين المجازر المروعة ضد المدنيين في حلب ومنها جريمة مستشفى القدس، لكن السفير الروسي في الأمم المتحدة سكب ماء حارا على أوراق البـيان الناعمة ورفضه رفضا مطلقا وبرر ذلك بالقول «إن هذا ضرب من ضروب الدعاية»! يقصد الدعاية المغرضة ضد نظام الأسد البريء! روسيا الشريك الأول في الجريمة تدافع عن المجرم الأول في ردهات الأمم المتحدة وأصدقاء سوريا يجلسون القرفصاء صامتين كصمت قبور حلب!

من جهة أخرى طالب منسق الشؤون الإنسانية (المنسية) في الأمم المتحدة بإجراء تحقيق فوري حول الغارات الجوية التي دمرت وأحرقت مخيم الكمونة للنازحين في إدلب! وكرر المنسق مرارا وتكرارا مقولة إن هذه «جريمة حرب» متوقعا أن يقفز المندوب الروسي من على كرسيه ويعتـذر! وربما توقع أن تـثير كلمة «جريمة حرب» نظام الأسد أو تخيفه أو تذكره بمحكمة الجنايات الدولية ومحاكمات النازيـين الشهيرة! كيف يحدث هذا ونظام الأسد يعرف معرفة جيدة أن «كل» ما يفعله في سوريا «جريمة حرب» منذ تـقطيع أوصال الطفل حمزة الخطيب إلى اليوم! ويعرف كذلك شخوص وأسماء جميع الشركاء والحلفاء والمتواطئين والصامتين عن هذه الجريمة البشعة!

أخيرا، هناك مفارقة أخرى لا يمكن فهمها أو تـفسيرها! دعاوي (الحرب على الإرهاب) أصبحت اليوم أكبر منـتج للعنف والعنف المضاد وللمشاكل الأخرى في العالم مثل الهجرة والتهريب وتجارة الأطفال وتجارة الأعضاء البشرية وكل ما يهدد حالة السلم العالمي! العالم الحر (كما يقال) وأصدقاء سوريا (كما يقال) يعرفون ذلك جيدا لكنهم لا يستطيعون أن يعملوا شيئا البتة! سؤال محرج: لماذا يصمت العالم أو يتكاسل عن معالجة «جريمة الحرب» في سوريا ويترك المجال مفـتوحا لكل المشاكل والجرائم والإرهاب الدولي العابر للقارات الذي تفرزه هذه الجريمة؟ لا أحد يستطيع أن يفهم، عالم مجنون ودوافع جنونية!.

د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي