كتاب وأراء

ملحمة حلب ..عندما يكون المنـتصر مهزوما !

قد يعتبر البعض أن (معركة حلب) انـتصار للروس ومن معهم لكنها في الحقيقة هزيمة نكراء لروسيا وحلفائها وللمجتمع الدولي ولأصدقاء سوريا وانـتصار كبـير للشعب السوري العظيم! لا ترفع إشارة (النصر) بالنـتيجة العسكرية أو ميزان الحدث المادي ولا تفهم بالحديث عن نصر منـقطع كالمنبت، لكن هناك عوامل أخرى لها علاقة بالمعنوي والروحي إضافة إلى تـقدير المكاسب أو الخسائر السياسية في طريق الحرب الطويل وكما يقال «إنما النور في آخر النـفق»! لكن تـقرير(الهزيمة) يـقـترن بما يمكن أن نسميه «الهزيمة الأخلاقية» ليس للروس وحلفائهم فحسب بل لأميركا والمجتمع الدولي والمنـظمات الأممية ولكل الصامتين عن مذبحة حلب وما قبلها وما بعدها!
أولا، معركة حلب لم تكن معركة منـفصلة عن سياق الثورة السورية بل هي معركة واحدة صغيرة فـتحت الباب أمام الشعب السوري لشن حرب تحرير والطريق مازال طويلا. لذلك ومن منطلق مقايـيس النصر والهزيمة لا يوجد ما يـبرر تلك الفرحة العارمة التي انـتابت قطعان نـظام الأسد وأحبابهم الليبراليين العرب المخذولين! بما اسموه انـتصار الجـيش «العربي» السوري مع أن العرب في الجيش المهاجم كانوا أقلية لا يملكون قرارا ولا مقدارا! وكذلك لا يوجد ما يـبرر الحزن الشديد الذي انـتاب بعض محبي الثورة السورية لما تصوروا أنه نهاية لها مع أن الأمر يـبدو وكأنه بداية!
لكن بنـفس منطق مقايـيس النصر والهزيمة أظهرت معركة حلب هزيمة شـنيعة لروسيا وسقوطا ذريعا للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية والقوى العظمى التي تحكم العالم! هزيمة روسيا هنا هي هزيمة أخلاقية بالدرجة الأولى وكل ما يقال عن مكاسب على الأرض لن يكون انـتصارا معتبرا حتى تـثبت روسيا أقدامها على الأرض وهي لا تستطيع ولن تستطيع! على مقربة من سوريا حاولت أميركا من قبل تـثبـيت أقدامها في أرض الرافدين وعجزت لولا فزعة الصحوات حتى وجدت عذرا لتسحب قواتها وتعود على استحياء بتوظيف الميليشيات العراقية ذات النـفس الإيراني، لكن كل ذلك لا يعد انـتصارا لأميركا بالمعنى السياسي أو العسكري!
معركة حلب بالذات لا تعتبر انـتصارا لروسيا بالمعنى السياسي ولا العسكري خاصة إذا تمكنـت بعض القوى السياسية السورية والعربـية والإقليمية والدولية المتعاطفة مع القضية السورية من استـغلال مرحلة ما بعد حلب بتأنٍ وذكاء! هناك مقولة استراتيجية غاية في الأهمية فحواها «من السهل أن تكسب معركة لكن من الصعب أن تكسب الحرب»! وقد قال المفكر الاستراتيجي الشهير ليدل هارت «إذا لم تستطع الاستـفادة من الحرب لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية فكل ما حقـقـته هباء» (بتصرف)! والمنطق نفسه ينطبق على توابع روسيا مثل إيران وميليشياتها ونظام الأسد وحزب الله وغيرهم!
بالنسبة للسوريين المحاصرين في حلب فليس من المنطق أن يتم التعامل معهم بمعادلة (النصر والهزيمة) فلا أحد يتوقع أصلا أن يصمدوا طويلا أمام الهجوم العنيف المدعوم بترسانة أسلحة روسية فـتاكة وموجات بشرية إيرانية كثيفة مدفوعة بحقد ديني (روسي) وطائفي (إيراني) وجنون أخلاقي غير مسبوق وتواطؤ أميركي غير مستـغرب وتـخاذل أصدقاء سوريا بشكل لا يمكن وصفه! كانت معركة حلب محسومة من الناحية المادية البحتة لكنها رغم المأساة منحت الشعب السوري عددا من الفرص لعل أهمها دفع السوريين لبدء رحلة الكفاح المسلح (حرب التحرير) ومزج ذلك بالعودة إلى المظاهرات والعصيان المدني وغيره من أدوات إدارة الصراع، وكما قيل لن يستطيع أحد أن يهزم شعبا مؤمنا بقضيته مهما طال الزمن، وهذه غزة المحاصرة الصامدة بجوار السوريين تلوح لهم بهذا المعنى التاريخي المقدس!
الهزيمة الشـنيعة التي خرجت بها معركة حلب كانت من نصيـب المجتمع الدولي ومنـظماته الأممية ومجلسه المعطل بالفيتو من القاتل الروسي وأصدقائه الصينيين ومن خلفهم ثلة من العرب المستباحة! قالها بان كي مون على شكل كلام عابر «المجتمع الدولي خذل الشعب السوري» لكن أين الفعل؟! شهدت معركة حلب سقوط «الإنسانية» و«حقوق الإنسان» في الوحل ليس بسبب قلة يد الحيلة والصمت والتجاهل لكل هذه الوحشية والإجرام ضد أناس مدنيين (أطفال ونساء وشيوخ) وزد على ذلك أنهم محاصرون وعزل! ولكن كذلك بسبب تـشريع التهجـير القسري والتـغيـير الديموغرافي والصمت عن ممارسات نـظام متسلط فقد شرعيته بقرارات الأمم المتحدة نـفسها!
التاريخ لا يكذب! ولو اعتبر الفيتـناميون أن معركتهم انـتهت بعد سقوط فنوم بنه لما تحرروا! ولو اعتبر الأفغان أن مصيرهم تـقرر بعد سقوط عاصمتهم كابل تحت مجنـزرات الاتحاد السوفياتي لما استطاعوا تـقرير مصيرهم من فوق رؤوس الجبال! أخيرا، لعل المكسب الكبـير للسوريين يتردد عبر التاريخ في ثـنايا بـيت الشعر الشهير:
جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي
بقلم:د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي