كتاب وأراء

استشهاد الزواري .. مقاربتان مهمتان

ما شهدته تونس منذ انتشار خبر اغتيال محمد الزواري القيادي بكتائب القسام من تحركات جماهيرية ضخمة ومن تصاعد للمد الاحتجاجي ضد كل محاولات تدجين الروح الوطنية في الشارع التونسي يمكن مقاربته من جهتين: أولا كان الحراك الشعبي ردا على محاولات التقزيم التي حاول بعض الإعلاميين المنخرطين ضمن الجوقة الإعلامية المرتبطة ببقايا نظام بن علي وهؤلاء سعوا بكل وسيلة إلى تصوير ما جرى بأنه مجرد حادث معزول أو هي جريمة قتل ذات خلفية جنائية وفي ذات الوقت كان واضحا أن هناك رغبة من هؤلاء المهيمنين على الأجهزة الإعلامية بما فيها تلك الرسمية التقليل من شأن الشهيد فمن ناحية تم وصفه بالهالك ومن ناحية أخرى قيل عنه إنه مجرد ميكانيكي على الرغم من أن الرجل مهندس وحاصل على درجة الدكتوراه في مجال هندسة الطيران من المدرسة القومية للمهندسين بصفاقس.
أما الشق الثاني الذي كان يغرد خارج الوجدان الشعبي فهو بعض الأحزاب السياسية التي تعاملت مع الحدث ببرود بل وسعت إلى تصويره في البداية (قبل إعلان كتائب القسام انتماء الزواري لها) على أن الرجل ضحية تصفية حسابات لا أكثر واستكثرت عليه لقب الشهيد وبعضها رفض المشاركة في المسيرات الشعبية الحاشدة التي شهدتها مختلف المناطق التونسية.
ثانيا جاءت التحركات الشعبية الأخيرة لتثبت أن حضور القضية الفلسطينية مازال محفورا في وجدان الشعب التونسي وإن الضخ الإعلامي والدعائي لشيطنة كل أفعال المقاومة لم يكن له أدنى تأثير أو تغيير في المزاج الشعبي العام فقد حفلت مواقع التواصل الاجتماعي كما الكليات والمعاهد والمدارس والنقابات وعمادة المهندسين بأنشطة مختلفة لتخليد ذكرى الشهيد وإعادة الاعتبار لعمل المقاومة الفلسطينية كما تجسدت في شخص القيادي في كتائب القسام محمد الزواري. وقد كان لحرارة رد الفعل الشعبي (مظاهرات، خيام عزاء، وقفات للتأبين) دورها في تحريك رد الفعل الرسمي الذي ظل مترددا بل ولم يصدر أول موقف من حكومة يوسف الشاهد إلا بعد مرور ما يقارب الثلاثة أيام عن الحادثة والأغرب أن تعامل الحكومة مع حدث الاغتيال لم يكن في المستوى المأمول، ورغم أن الاختراق الصهيوني للأمن الوطني التونسي ليس الأول من نوعه فقد سبقته حوادث مشابهة في العقود السابقة (قصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط بتاريخ 1 أكتوبر 1985 ثم اغتيال القيادي الفلسطيني خليل الوزير أبو جهاد بتاريخ 16 ابريل 1988) فإنه كان من المأمول حصول رد فعل أكثر جدية من حكومة جاءت بعد ثورة الكرامة في تونس ولم تكن المعالجة التي اقتصرت على إقالة والي صفاقس سوى مجرد ذر رماد في العيون لأن القاصي والداني يعلم أن الوالي لا علاقة له بإدارة الأمور الأمنية في جهته بل أن الأمر من مشمولات الجهات المسؤولة التي تديرها وزارة الداخلية بصورة مباشرة.
غير أنه من المهم الإشارة هنا إلى حالة الوحدة الوطنية العالية التي عرفها الشارع التونسي على خلفية اغتيال الشهيد محمد الزواري وربما كان ما شهدته مدينة صفاقس مسقط رأس الشهيد الزواري من نشاطات وتعليق لافتات ضخمة لصوره وإطلاق اسمه على بعض الشوارع بالإضافة إلى التحرك الشعبي الضخم والذي شاركت فيه مختلف الجهات بغض النظر عن انتماءاتها أو المنظمات المجتمعية التي تنتمي إليها. لقد كان حدث اغتيال الشهيد الزواري لحظة فارقة في إعلان انحياز الشعب التونسي إلى القضية المركزية للأمة ونعني بها قضية فلسطين وفي ذات الوقت فضحت الأقلية المتصهينة التي حاولت بكل قوة طمس البعد الإجرامي الصهيوني لاغتيال الشهيد محمد الزواري. ومثلما وحد موت محمد البوعزيزي في ديسمبر 2010 الشعب ضد الاستبداد فقد كانت حادثة الاغتيال الأخيرة دافعا لإحياء جذوة الثورة وتوحيد الشعب التونسي حول قضاياه الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي