كتاب وأراء

عن العائدين من بؤر التوتر

يدور في تونس هذه الأيام جدل واسع متعلق بحق العودة للعناصر التي شاركت في أعمال قتالية خارج البلاد، خاصة أولئك الذين انضموا لتنظيمات مسلحة في سوريا والعراق.
ويأتي هذا الجدل على خلفية تصريحات رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي والتي أكد فيها على أن «خطورة الجهاديين باتت من الماضي والعديد منهم يرغبون في العودة، ولا يمكننا منع تونسي من العودة إلى بلاده، هذا أمر يكفله الدستور».
لكن بديهيا أننا لن نستقبلهم بالأحضان.. سنكون يقظين» مضيفا «لن نضعهم جميعا في السجون، لأننا إن فعلنا ذلك لن يكون لدينا ما يكفي من السجون، بل سنتخذ الإجراءات الضرورية لتحييدهم ونحن نراقبهم» وقد صدرت بعض المواقف غير المرحبة بتصريحات رئيس الجمهورية وصولا إلى مطالبة بعض الأحزاب (الجبهة الشعبية وحزب مشروع تونس) إلى المطالبة بمنع عودتهم وسحب الجنسية التونسية منهم الأمر الذي جعل رئاسة الجمهورية تصدر توضيحا حول هذا التصريح لتؤكد أن «أن العودة إلى الوطن حق دستوري ولا يمكن منع أي مواطن من العودة إليه مهما كان السبب» وأنه سيتم اتخاذ إجراءات مناسبة أمنيا وسياسيا لتحييد خطر التونسيين العائدين من بؤر التوتر وفقا للقانون المتعلق بمكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
وقد تجانس موقف راشد الغنوشي حول ذات الموضوع مع تصريحات رئيس الجمهورية حيث اعتبر رئيس حركة النهضة أنه يجب التعامل بجدية مع عودة الإرهابيين من قبل كافة الأطراف المعنية من قضاء وسلط أمنية وإعلام. وأكد الغنوشي من جانب آخر أن تونس لا تفرض على البلدان الأخرى بقاء التونسيين على أراضيها.
ورغم أن هذه المواقف تتوافق مع نصوص الدستور التونسي وتحاول التعامل مع ظاهرة العائدين من بؤر التوتر بواقعية وعقلانية يفترضها الواقع السياسي والاجتماعي في تونس إلا أن حالات المزايدة السياسية أصبحت تحكم المشهد العام في تونس سواء إعلاميا أو حزبيا من خلال إصرار بعض الناشطين الحزبيين على تصوير هذه المواقف بوصفها «ترحيبا» بعودة الإرهاب وأنها تفتح الباب أمام تطبيع وضع جماعات العنف في المجتمع التونسي، والغريب أن نواب من حزب «نداء تونس» وهو حزب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اتخذوا موقفا مغايرا لما يقتضيه امتثالهم للتمشي العام للسياسة الرسمية التي يمثلها رئيس الدولة وانخرطوا في جوقة الدعاية المضادة والمطالبة بمنع عودة المتورطين في أعمال عنف خارج البلاد.
ويمكن مقاربة هذا الموقف من ناحيتين أولا بوصفه مخالفا للنصوص الدستورية حيث ينص الفصل 25 منه على ما يلي: «يحجّر سحب الجنسية التونسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن»، وأن أي محاولة لخرق الدستور يفتح الباب أمام التلاعب به بشكل قد يهدد المسار العام للتحول الديمقراطي، ثانيا: يوجد في تونس قانون أساسي يفصل التعامل مع مثل هذه الظاهرة (أي جرائم الإرهاب) ويضع لها العقوبات المناسبة في حال ثبوتها وقد تم إحداث قطب قضائي مُناط به متابعة هذه القضايا والفصل فيها بما يحدده القانون وبشكل يكرس علوية القضاء واستقلاله عن كل أشكال التأثير السياسي والحزبي.
وبعيدا عن منطق ردود الأفعال المبالغ فيه يمكن القول أن تركيز الإعلام على ما يسمى مشكلة «العائدين من بؤر التوتر»إنما هو يندرج ضمن المناكفات السياسية أكثر مما يطرح أزمة فعلية تعانيها الدولة التونسية وذلك لسببن أولهما أن آليات التعامل مع الظاهرة قانونيا وقضائيا موجودة فعليا وأن العائدين بصورة معلنة من مواقع الصراع هم في الواقع ممن يرغبون فعليا في حل مشكلتهم وتطبيع وضعهم القانوني أما المنخرطين في لعبة الإرهاب الدولي والساعين إلى خلق الفوضى فهؤلاء قطعا لن يعودوا عبر المطارات أو البوابات القانونية وإنما عبر وسائلهم الخاصة وهم في هذا ليسوا بحاجة لقانون للتوبة بقدر ما ينبغي على الدولة التونسية أن تجد الوسائل الأمنية الكافية لتحييدهم والحد من خطورتهم وهو ما يحصل فعلا.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي