كتاب وأراء

ذكرى الثورة التونسية : إنجاز ديمقراطي فريد

مثلت الثورة التونسية فاتحة الحراك الثوري العربي والنموذج الذي استلهمت منه كثير من شعوب المنطقة الدافع للإطاحة بأنظمتها المستبدة ورغم اختلاف السياقات والمسارات التي اتخذتها الأوضاع في دول الثورات العربية المختلفة فإن حفاظ تونس على نموذجها الديمقراطي وعدم سقوطها في براثن الفوضى والاحتراب الأهلي منحها القدرة على مواصلة الدور الإيجابي الذي لعبته بداية، فالمنجز الديمقراطي التونسي لازال ملهما ومؤثرا وتتطلع إليه الشعوب الأخرى بوصفه التجربة الأكثر نجاحا والأقل تعثرا من بين التجارب الثورية في المنطقة. ويمكن تلخيص أهم آثار الحراك السياسي التونسي على المنطقة في جملة من النقاط السريعة:
- بداية مثلت تونس ومن خلال إنجازها للانتقال الديمقراطي طيلة السنوات الست الماضية وبأقل قدر ممكن من الخسائر ودون وقوع في الفوضى التجربة الأنجح في المنطقة العربية وهو ما يؤهلها لأن تواصل دور النموذج الذي يرسم أجندات المنطقة رغم أن تونس ليست دولة محورية جغرافيا ولا ذات تأثير مالي واقتصادي غير أن مركزية التأثير فيها تكمن في لعبها دور النموذج في حالاته المختلفة (نموذج الثورة ونموذج الانتقال الديمقراطي ونموذج إدارة الخلافات السياسية ديمقراطيا ومن خلال صندوق الاقتراع والمشاركة السياسية بصورة توافقية).
- شكلت الانتخابات التونسية الأخيرة لسنة 2014 (النيابية والرئاسية) فرصة لتثبيت جملة من الحقائق لعل أبرزها إمكانية التداول على السلطة ونسف الفكرة المتداولة لدى بعض القوى الغربية وامتداداتها المحلية في المنطقة والتي مؤداها أن الإسلاميين يتخذون الديمقراطية أسلوبا للوصول إلى السلطة ومن ثم للاستيلاء على أجهزة الدولة وإلغاء كل أشكال الديمقراطية بعدها، هذا الوهم المبالغ فيه تم نسفه من خلال تجربة حكم الترويكا أولا حيث لم يستأثر التيار الإسلامي بالحكم وخاض التجربة على صعوبتها من خلال التحالف مع قوى علمانية، وثانيا أثبتت الانتخابات البرلمانية الأخيرة والتي احتل فيها حزب النهضة المرتبة الثانية استعداد هذا التيار للتعامل مع الشأن السياسي مع قبول واضح لنتائج الصندوق مع الاستعداد لمد الأيدي للتعامل مع الوافدين الجدد للسلطة. - مثل تشكيل حكومة توافقية تضم قوى مختلفة وضمن تحالفات لا تقوم على منطق المغالبة فرصة لتثبيت فكرة التعايش السياسي والانتقال من التصورات القائمة على الإلغاء المتبادل إلى منطق التعاون ضمن حدود ما يضمن المصلحة الوطنية.
إن ما جرى في تونس من خطوات فعلية نحو ترسيخ شكل ديمقراطي للممارسة السياسية في البلاد ورغم ما تبذله الدول الداعمة للثورات المضادة من جهد للالتفاف على هذا المسار فإنه يمكن القول إنه يصعب استنساخ النماذج الانقلابية وتعميم الفوضى ونقلها إلى تونس لعوامل كثيرة أقلها الخصوصيات التي تميز البنية المجتمعية والهيكل السياسي القائم في كل بلد والملابسات الداخلية والتجاذبات الأيديولوجية التي تتشكل من خلالها المجتمعات. وكما أكد «إيريك هوبزباوم» فإنّ لكل ثورة خصوصيتها من حيث الزّمان والمكان، وليس هناك تشابهٌ أو تطابق بين ثورتين. وفى السياق العربي فإن لكلّ بلد خصوصيته من التكوين الديمغرافي والطبيعة الجغرافية وحتى طبيعة المزاج الشعبي، فتونس تختلف بتركيبتها الديموغرافية وطبيعتها الجغرافية عن الدول المجاورة، ولها خصوصيتها التي تميّزها عن الآخرين. وهو ذات الأمر الذي ينطبق على باقي البلدان دون أن يعني هذا نفيا لما يسميه هوبزباوم نفسه «بنظرية انتشار العدوى» أي امتداد الثورات جغرافيا وتأثرها ببعضها سلبا وإيجابا والتاريخ يذكر مدى الهزة التي أحدثتها الثورة الفرنسية في كامل المحيط الأوروبي بل وكان لها صداها المدوي في الفكر الفلسفي ذاته (موقف كانط من الثورة الفرنسية والموقف الهيجلي من الغزو النابليوني لألمانيا) وهو أمر نجد له شبيها في التأثير الذي أحدثته الثورة التونسية في المنطقة العربية الأمر الذي جعل دول الاستبداد الباقية تبذل جهدها من اجل منع انتشار الحمى الثورية ووأد التطلعات الشعبية نحو الحرية من خلال الانقلابات العسكرية ولغة الحديد والنار والاستنجاد بالقوى الإقليمية والدولية للحفاظ على هذه الأنظمة المهترئة.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي