كتاب وأراء

التـغيـير في البـيت الأبـيض.. هل يلقي بظلاله على الشرق الأوسط ؟

حدث تـغيـير مهم من حيث اللون واللغة والأسلوب والأجندات في البـيت الأبـيض! فهل سيلقي هذا التغيـير بظلاله على الواقع الدموي الأسود الذي تعيشه دول الشرق الأوسط خاصة دول الربيع العربي المخنوق! جاء حفل تـنصيـب دونالد ترامب كمثل جميع حفلات تـنصيب الرؤساء الأميركيين من قبله مليئا بالبروتوكولات وجاء خطابه في الحفل كمثل لغـته في خطابات الانـتخابات ما عدا بعض الاستـثـناءات البسيطة، ويـبقى السؤال: هل ثمة تـغيـير حقيقي في سياسات واستراتيجيات أميركا في المنطقة وفي العالم أم إن الاستراتيجية الأميركية غير قابلة للتغيـير؟
قبل مناقـشة هذا الأمر لابد من طرح فكرتين مهمتين، الأولى هي فكرة أن أميركا تعودت على اختيار قيادات سياسية تـتوافق مع المرحلة أو الحالة التي تعيشها أميركا والعالم! والنـظام الأميركي يتيح هذا الأمر فتـغيـير الحزب أو الرئيس القادم للبـيت الأبـيض يكفل إعادة تـشكيل الفريق الذي ينـفذ الاستراتيجية الأميركية المرحلية! وكما حصل مع الإدارة الأميركية في عهد ترامب الجديد حيث بدلت جلدها تماما وغيرت الوجوه التي تـقود المرحلة القادمة حصل أمر شبـيه بذلك في تجارب سابقة لعل أقربها تاريخيا التـغيـير الذي حدث في الإدارة الأميركية بعد أن قررت أميركا تـغيـير سياساتها فيما يتعلق بالحرب على العراق!
الفكرة الثانية تـقول إن السياسة الأميركية تـتـغير وفقا للأحداث والتطورات السياسية على الأرض ودرجة التأثير على المصالح الأميركية وليس تبعا للشخصية التي تـنام في البـيت الأبيض أو القيادات والحزب الذي يسيطر على مجريات الأمور في الظاهر! على سبيل المثال، شهدت الإدارة الأميركية في عهد أوباما تـغيـيرا كبـيرا في لغـتها وقراراتها وطريقة عملها بعد الربيع العربي، فأوباما الذي زار القاهرة وجاكرتا وتحدث في مساجدها عن عصر جديد من العلاقة مع العالم الإسلامي ليس هو أوباما الذي غادر البيت الأبـيض وقد طعن أصدقاء أميركا في العالم الإسلامي بسكاكين الجهل والتآمر واللامبالاة كما لم يفعل أية رئيس أميركي من قبل!
هاتان الفكرتان تـفرغان السؤال الكبير المطروح في العنوان أعلاه من محتواه! وعليه، يمكن القول إن التـغيير الذي سيحدث في السياسة الأميركية وخاصة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط سيعتمد بدرجة كبيرة على المصالح الأميركية ورد فعل دول الشرق الأوسط ذاتها! ثمة تـغيـير في لحن القول تجاه إيران ونـفوذها المتمدد في الشرق الأوسط وإمكانية مراجعة الاتـفاق النووي وتـشعباته التي حدثت على الأرض وثمة تـغيـير أخر يخص فكرة المنطقة الآمنة في سوريا لكن كل تـغيـير متوقع سيعتمد على رد فعل أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط وأعدائها كذلك ولا يمكن تـقديم شيك على بـياض في هذا الوقت المبكر.
لعل أكبر شعار في رؤية أميركا الجديدة (2017-20) حسب خطاب الرئيس الجديد هو «أميركا أولا»! ليس بالضرورة أن يعكس هذا الشعار فكرة التخلي عن أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط بل قد يولد المزيد من التحالف والتعاون لحفظ المصالح الأميركية في الشرق الأوسط خصوصا لكن «المشكلة» مثل الشيطان تـنام في التـفاصيل! مشكلة شعار «أميركا أولا» حسب النظرية الترامبيه أنه يرتبط بشعار أخر هو «أدفع أولا» أي أنه لن ينعم أصدقاء أميركا في الشرق الأوسط بالحنان الأميركي دون تكلفة مرتـفعة وعندما يتوافق ذلك مع الضغوط الاقتصادية الرهيـبة ينبئ بأن المعادلة الجديدة في الشرق الأوسط ستكون لصالح من يعتمد على ذراعيه وليس جيـوبه!
ثم إن المصالح الأميركية أصبحت هي الأخرى متـغيرة ولم تعد تملك دول الشرق الأوسط ذلك القدر الكبير من الوزن للتأثير عليها ولا حتى دول الاتحاد الأوروبي التي قد تعاني من الانكفاء الأميركي على مشاكل الداخل وليس مشاكل الخارج! عليه، عندما ترتبط سياسات أميركا الترامبية بالمصالح الحقيقية فسيكون دور الدول النـفطية على كف عفريت النـفط الصخري والتطورات الاستراتيجية والفـنية التي تحدث في قطاع الصناعة النـفطية عامة!
الغموض يحيط بسياسات ترامب قبل حفل التـنصيب وبعده وإن كان من المعتاد أن يُحكم على سياسات الرئيس الأميركي من خلال رصد المائة يوم الأولى من ولايته فإنه قد يكون من الصعوبة بمكان الحكم على سياسات ترامب برصد كل أيام الأربع سنوات الغامضة القادمة بتحدياتها الاقتصادية والسياسية المثيرة! خطابات مخـتلفة من رئيس إلى رئيس وتوجهات متـغيرة من إدارة إلى إدارة لكن يبقى النموذج السياسي الأميركي ثابتا كالطود قائما على فكرتين محوريتين هما فن الاحتواء لتحقيق المصالح الأميركية طويلة المدى و«إسرائيل أولا» وسيكون قرار تـنـفيذ فكرة نـقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة هو المحك لفهم السياسة الأميركية الجديدة في العهد الجديد!
بقلم:د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي