كتاب وأراء

نهاية الديمقراطية .. قرارات ترامب وصعود اليمين

هل تكون قرارات ترامب التـنفيذية وتواصل صعود قوى اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا بداية حقيقية لنهاية الديمقراطية واضمحلال الليـبرالية الغربـية أم مازال هناك نـفس من المقاومة؟! طريقة صدور الأوامر التـنـفيذية بهذا الكم وبهذه السرعة تـنبئ بظهور أسلوب مخـتلف للقرار الأميركي قد يتجاوز المؤسسات الديمقراطية الراسخة منذ مئات السنين! من ناحية أخرى تـشهد أوروبا سياسةً ومجتمعاً صعوداً متـنامياً للتطرف اليميني أدى إلى إعادة ولادة الأحزاب اليمينية المتطرفة ما ينذر بقرب ذبول الليبرالية وشعاراتها البراقة!
وكذلك تـنمو في الساحة الجماهيرية الأميركية مشاعر العنصرية والأحلام القومية المتطرفة وتـتزايد حالات الاعتداء على المهاجرين مادياً ومعنوياً ما ينذر بقرب انكسار قوة الليـبرالية وقوة الجمهور بل حتى قوة السلطة الرابعة!
صدرت أوامر ترامب التـنفيذية في الأيام الأولى من سلطته وكانت مفاجأة للمراقبين فوضعت عدداً من التصورات الخطيرة حول القدرة على تجاوز المؤسسات الديمقراطية عند اتخاذ القرارات الأميركية بما يخالف «النـظام» الذي ظل مسيطراً على السياسة الأميركية منذ الإعلان الدستوري! اتكاء البـيت الأبيض على قوة القرارات الفردية يعني الضغط على المؤسسات الديمقراطية وجعلها أمام خيارين أحلاهما علقم: القبول بالقرارات ونـشوء الدولة الديكتاتورية في كنـف الدولة الديمقراطية أو مقاومة القرارات ونـشوء صراع سياسي داخلي سيضعف بلا أدنى شك من قوة القرارات والسياسة الأميركية نفسها! يقال اليوم إن هناك مقاومة لبعض القرارات في الإعلام والقضاء والمؤسسة السياسية في أميركا، لكن ظهور متلازمة «شد وأشد» ستكون علامة على مرض الديمقراطية الليبرالية وليس قوتها!
الديمقراطية بصيغـتها الأميركية المميزة تواجه تحديات كبـيرة جداً، فإذا كانت القرارات التـنفيذية ذات الصبغة الفردية تحاول القفز على المؤسسات الديمقراطية الجماعية، فإن الشكوك التي تصاعدت حول نجاعة النظام الانـتخابي بالطريقة الأميركية توحي بإمكانية القـفز على الانـتخابات وتوصيل «رئيس خاص» على مقاسات ومصالح المؤثرين والمتلاعبين! ظهور مؤشرات تدخل الروس أو اللوبي الصهيوني أو أية جهات داخلية أو خارجية وتوجه الآخرين للتأثير السلبي سواء السياسي أو الإعلامي أو الإلكتروني على النظام الأميركي كلها تضع ملحاً على القرح الأميركي وتجعل الفخر الأميركي بالديمقراطية الليبرالية مجرد «هياط ديمقراطي» أو كلام شاعر يتبعه الغاوون!
قال عدد من المحللين السياسيين أن لجوء ترامب لصيغة القرارات التـنفيذية تحمل أكثر من رسالة سياسية داخلية (داخل أميركا) أولها رسالة تقول إن كلام ترامب يُصدق قراراته! وتـفيد كذلك بأنه يسعى لتحقيق وعوده الانـتخابية وفيها ما فيها لاقتصاد أميركا ومجتمعها ولدول الجوار وللدول البعيدة، خاصة في الشرق الأوسط! المشكلة ستكون فيما (لو) حرص ترامب على تـنفيذ وعوده الانـتخابية التي تـضر بالمسلمين وبأصدقاء أميركا في الشرق الأوسط، لكن أخلف بالوعود التي هي في مصلحتهم مثل وعد «المنطقة الآمنة» للسوريين وفكرة «ردع المشروع الإيراني»، عندها سيردد (ضعوف العرب) المتـفائلون بترامب «يا ليل ترامب ما أطولك»!
أما الرسالة الأخرى فإن هذه القرارات التـنـفيذية جاءت لتمس حريات وقوميات وفيها تحدٍ واضح للقيم الليـبرالية الأميركية وللقوة الليبرالية الشعبوية في الشارع الأميركي! هذه القرارات وما صاحبها من عبارات متـشددة تجاه الآخر وتجاه الصحافة على ألسنة المسؤولين الأميركيين (مثل مقولة «على الصحافة أن تصمت»)! وما رافقها كذلك من أحداث إرهابـية في الشارع الأميركي تجاه الأجانب خاصة المسلمين تجعل من «الحلم الأميركي» حلما مرعبا وتلغي إلى الأبد مقولة «أميركا بلد الحريات» وقد تـشجع الرسامين والفنانين الأميركيين والأوروبيين على إعادة رسم «تمثال الحرية» الأميركي الشهير ليوافق واقع الحال، مقيد مثلا! أما مقولة «أميركا ذلك القدر الكبير» THE MELTING POT الذي يمزج الكفاءات البشرية مهما كان شكلها أو لونها أو دينها أو مذهبها فقد تحطم تحت وقع قرار بناء جدار الفصل العنصري بين أميركا والمكسيك وقرار حظر الدخول إلى «القدر الأميركي» لرعايا سبع دول إسلامية ودول أخرى في الطريق!
قبل عدة سنوات أصدر الفيلسوف الشهير فرانسيس فوكوياما كتابه «نهاية التاريخ والرجل الأخير» THE END OF HISTORY AND THE LAST MAN والذي تـنبأ فيه بأن الديمقراطية الليبرالية بقيمها عن الحرية والفردية والمساواة والسيادة الشعبـية تٌـشكل مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان ويتحقق منها عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية.. وتـنـبأ فوكوياما كذلك بأن الرجل الليـبرالي (هكذا) سيكون هو الرجل الأخير الذي يحكم العالم بقيمه المتمسكة بالحرية والعدالة والمساواة (ياما أنت تحلم يا فوكو ياما)! لكن يـبدو اليوم أن كتاب فوكوياما سيكون تاريخاً ماضوياً ولن تصدر منه طبعات جديدة، فالعالم عاد أدراجه إلى الغلو والتـشدد وبدلاً من الديمقراطية الليبرالية بات العالم قريباً من الديمقراطية النازية! التي أحرقـته قبل سبعين عاماً ونيف!
بقلم: د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي