كتاب وأراء

ما قبل الوداع

بضعة أسابيع مُرعبة قضيناها نراقب فيها جدتي من خلف زجاجات غرفة العزل الطبي ثم العناية المركزة بحالتها الصّحية المتردية. الدموع وضربات القلب المتسارعة؛ خوفًا عليها، وشوقًا لها، ولصوتها، ولتقبيل رأسها ويديها الشاحبتين والهزيلتين المليئتين بالإبر والملصقات الطبية. تُسابقها الأدعية والصلوات؛ كي تقوم بالسلامة، معافاة وبصحة جيّدة.
وخلال هذه الأسابيع التي نراها سنوات طوال، فارقت أكثر من جارة لها في غرفة العناية المركزة حياتها، وبعد كلتا المرّتين تسوء حالة جدتي الصحيّة؛ لربما كنتيجة طبيعية لسماع عويل المودعين والمفَارقين والمُعزين. كنتُ ومازلت أتذكر اضطرابها لحظة سماعها حدوث مصيبة الموت، وكأني أقرأ من تعابير وجهها تساؤلًا: هل سأكون التالية؟!.
كان أقارب المتوفاة يعيشون هول المصيبة، بكى رجالهم كما نساؤهم، وكنا نعيش مأساتهم وحزنهم، كما كان من الصعب عليّ لحظتها اقناعها أنها ستصبح بخير، وستُعمّر طويلًا، بل وسترى أحفادي - كما كانت دائمًا تتمنى، لكنني أحاول أن أبتسم بصدق، وأنبش في ذكرياتنا الجميلة والمواقف الظريفة، ثم أعيد سردها عليها، لكنها لا تبتسم، بل تُشيح بوجهها والدموع أحيانا تُبلل وجهها الشاحب، لربما شوقا ورغبة في أن يعود ذلك الماضي الجميل، أو أنها تتوسل لله أن يمدها عُمرًا طويلًا بصحة وعافية، تستطيع فيه أن تحقق بعضًا مما تمنّت قبل وفاتها. رغم أنها تعلم أن الموت لا يفرّق بين صحيح ومريض أو بين شاب وعجوز.
بالمناسبة، جدتي ليست مُعمرة، أرملة في منتصف الستينات، مازالت ترجو كما أرجو أن تعيش عُمرًا آخر مع نعيم العافية والصحة. لا أظنّ أنها اكتفت من الحياة، فمازلنا حتى خطفها المرض، نراها سيدة تستمتع بحياتها وتعيشها كما تُريد بل تنافس أحيانا الثلاثينيات والأربعينيات من بنات هذا الجيل.
المهم، حاولت أن أعيش حالة جدتي الصحية، تخيلتُ أنّ عيني هما الشيء الوحيد الذي يتحرك من باقي الجسد الذي تسكنه روحي، وتخيلتُ أنني أنظر لمن عشت معهم لكنني لا أستطيع محادثتهم، لا التعبير عن حزني أو غضبي أو سعادتي، يداي شبه مشلولتين بسبب الأجهزة التي تقيّدني، ادعيتُ محاولةً اقناع نفسي أنني أعيش حالتها وفق تصوراتي المحدودة، فعليًا توسدت فراشي، وعشت أحلام اليقظة، لكنني في بضع دقائق انتابني الرعب والخوف والقشعريرة. كان شعورًا سوداويًّا، أسميتها حالة ما قبل الوداع، حالة تعيش فيها وداعًا معنويًّا بكل حذافيره، ويسبب لك ألمًا مضاعفًا وقاسيًا، تمنيت أن أعود لأعيش لكن ليس كما أريُد فقط بل كما ينبغي لي أن أعيش.

زهرة بنت سعيد القايدي