كتاب وأراء

جريمة سجن «صيدنايا» .. كارثة الاستبداد الدموي

ربما كان تقرير منظمة العفو الدولية عن سجن «صيدنايا» مفجعا ومريعا، وربما كان سبب صدمة البعض هو إعلان هذه الحقائق من منظمة دولية حريصة جدا عند تقديم تقاريرها وقد تشكل وخزة في ضمير صانع القرار الغربي هذا إن كان يهتم فعلا بمعنى قتل الإنسان بدم بارد ودون أن يرف للجلاد جفن، غير أن المسألة تجد جذورها في مسألة أعمق تتعلق ببنية الأنظمة الشمولية وطبيعتها المغلقة حيث يتقاطع الاستبداد السياسي بالايدولوجيا المغلقة والتعصب الطائفي المقيت. إنه ثلاثي متفجر لا يمكنه أن يؤدي إلى غير الجرائم ضد الإنسانية.
لقد تشكل مفهوم السلطة في سوريا الراهنة عبر مسار من العنف والتضييق على الحرية أفضى إلى خلق كيان مسيطر على الناس ومنفصل عنهم ويخضعون له بشكل يُماثل العبودية المطلقة. فلم يعد للإنسان في ظل نظام الطغيان الشامل حقوق بما فيه حق الحياة الذي أصبح بالإمكان سلبه من صاحبه فقط لمجرد الشبهة أو حتى لإشباع شهوة القتل والتصفية الجسدية التي تسكن النفوس المريضة للجلادين.
لقد تشكل طيلة عقود من الطغيان نوع من العلاقة الغريبة قوامها حق الحاكم في كل شيء وواجب الشعب في الانقياد التام دون أدنى تعبير عن الرفض أو التمرد، وساهمت عوامل الدعاية الحزبية والشعارات العبثية التي رفعها الحزب الحاكم في سوريا في نسج صورة الطاغية المتصرف في مصائر البشر المتحكم في حياتهم دون حساب أو رقابة. المثير للانتباه أن قوى سياسية ودول ذات مصالح ساهمت في رعاية هذا الوحش والدفع به إلى الصدارة والمحافظة عليه في كرسي السلطة تحت شعارات شتى كالممانعة والمقاومة والوحدة العربية، شعارات لا تعني شيئا لذاك الضحية الذي يتم تعميد كرسي الحكم بدمه.
إن الأسوأ من الاستبداد في أحيان كثيرة هي محاولات تبريره ومنحه شرعية والدفاع عنه ووصفه بصفات أخلاقية هو ابعد ما يكون عنها. وجاء تقرير منظمة العفو الدولية عن نموذج لسجن سوري واحد ليكشف عورات أولئك الذين يرفعون شعارات الدفاع عن نظام الممانعة المزعوم، فعدد قتلى النظام فاق عدد قتلى جماعات منشقة توصف بالإرهاب وتصنف عالميا باعتبارها كيانات مطلوبة للمحاسبة.
ليست هذه المقارنة العددية تبريرا للقتل مهما كان مصدره لأنه في النهاية مهما كان عدد الضحايا فجوهر الجريمة واحد ولكن ينبغي أن نوضح هنا أن المستبد هو ذلك الوحش المطلق السراح والذي يتصرف بدموية ليس لها نظير، ألسنا هنا بصدد استعادة ذلك المجاز الأفلاطوني عندما تحدث عن الطاغية بوصفه ذئبا لا يرتوي من شُرب الدماء.
سجن صيدنايا شهادة أخرى على الجرائم ضد الإنسانية وصرخة في وجه ضمير العالم الصامت من اجل أن يدرك أن كارثة الاستبداد لا تقل خطرا عن الكوارث الأخرى ضد الإنسانية وكان ينبغي للغرب أن يدرك قبل غيره ومن خلال تجاربه مع النازية والستالينية أنه «ما من شر أعظم وما من استتباعات أخطر من التسامح مع الاستبداد، إنه يؤبده» كما قال مونتسكيو يوما. إلا أنه للأسف تبدو حسابات المصالح وتحالفات السياسة اشد تأثيرا وأكثر أهمية من الإنسان فالدول الغربية لا يهمها من الموضوع غير محاربة ما تسميه إرهابا على أراضيها ولا ترى في وجود نظام استبدادي دموي ما يشكل خطرا عليها بل هو في النهاية يصبح مفيدا لها لأنه قابل للابتزاز وللخضوع لمطالبها مقابل عدم فتح ملفاته الحقوقية وجرائمه ضد الإنسانية.
ربما كان تقرير منظمة العفو الدولية صرخة في واد أو هو محاولة لتبرئة ذمة من الصمت عن مقتل الآلاف من الأبرياء في سوريا وهو أمر سيذكره التاريخ وسيكشف عما هو أفظع منه وأقسى ولكن لا يمكن التفاؤل كثيرا بوجود صحوة فعلية لقلب هذا العالم الميت وأن يسعى فعلا إلى إنصاف المظلومين والمقهورين والضحايا فدروس التاريخ تعلمنا أن الطغاة وإن لعنتهم الشعوب، يجدون في أحيان كثيرة منفذا للنجاة بجرائمهم الشنيعة.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي