كتاب وأراء

جمال عدوي ..إطلالة نحو محطات التسعينيات

ملامح كثيرة تظل محفوظة بذاكرتنا، وتبقى مثل معطيات صغيرة حبيسة بأحد الأدراج، حتى يأتي وقت للنظر إليها في فسحة من الزمان وتأملها بعمق وبمحبة.

نظل ننظر إلى الماضي بين الفينة والاخرى، ووسط التأملات نستشعر الكم الهائل من متغيرات الزمن العابر.

الوقوف احيانا عند منعطفات فاصلة مليئة بالغموض والتوتر والشجن يمنح الاشياء عمقا. في لحظات فاصلة وجدت نفسي في قطار للرحيل صوب الشمال في رحلة كنت استحضر بشأنها بيتا من الشعر بالعامية السودانية يقول مقطع منه «رحلة مجهولة الأمد».

في ايام تالية التقيت بأصدقاء وزملاء كثر بينهم بالطبع من ينتمون لجيل اساتذتنا في العمل الصحفي.

دار احد الحوارات في مارس 1992، بالقاهرة، عن التوقعات لما سيحدث بساحة العمل السياسي بالسودان. كان ذلك في سنوات الانقاذ الاولى. وقال لي زميل صحفي: كيف هي التحركات بالداخل، فقلت ان من بالداخل ينتظرونكم انتم لأنكم بالخارج لتقوموا بتغيير حالهم السياسي نحو ما ينشدونه من آمال وتطلعات شعبية مشروعة لاستعادة تجربة (الديمقراطية الليبرالية).

قال لي: نحن ايضا في حالة انتظار بالخارج ونترقب متى سيتحركون بالداخل لـ »استعادة الديمقراطية الليبرالية«!.

شجن الواقع المفتوح على احتمالات شتى رافق الكثير من زملاء المهنة بالسودان في بدايات التسعينيات حيث تزايدت معدلات الهجرة في الوسط الصحفي.

كنت بيني وبين نفسي استذكر طرفة رواها صحفي قديم، قال انه استدعي في »زمن عبود« وسئل: ما مهنتك، فقال (صحفي) فقيل له » البلد بها صحيفة واحدة هي صحيفة الثورة وانت لا تعمل بها«، قال انه رد عليهم بالقول: اذا توقف عمل الحدادين بالمنطقة الصناعية لاي سبب من الاسباب فان من الطبيعي ان يقول احدهم بأنه حداد رغم ان العمل متوقف!.

تيارات الرحيل ظلت تتسارع وسنوات البعد عن الخرطوم في التسعينيات ظلت تتوالى.

في فترة لاستقرار قديم مؤقت، اقمت بالرباط لنحو تسع سنوات متواصلة، وكان العزاء ان الرباط كانت تحتضن العديد من الاسماء لصحفيين سودانيين، عملوا ولا زال العديد منهم يعمل بمؤسسات عربية لندنية او خليجية او بصحف مغربية.

النظر من منعطف ذلك الرحيل صوب محطات الآتي كانت تظلله هواجس تأخر العودة للوطن.

القراءات المكثفة لاعمال روائية وشعرية كانت تمثل عزاء كبيرا.

الرحيل المتعدد الاتجاهات بين مدن المغرب لحضور مهرجانات للآداب والفنون والسياحة كان يشغلني لجزء كبير من الوقت. الكتابات التلقائية المتواضعة في تلك التجربة خلال ساعات الفراغ كانت ايضا تمثل لونا آخر للعزاء.

النظر من الحاضر الى سنوات الرباط ما بين تجربة العمل الصحفي واللقاءات مع مبدعين كثر لا تزال ترن في الذاكرة ، و تذكرني هذه العبارة بعبارة تلقائية كنا نحفظها في مرحلة الدراسة القديمة، وهي:«اذكرونا فإن الذكرى ناقوس يرن في عالم النسيان»!.



جمال عدوي