كتاب وأراء

هكذا عايش جيلنا زمن الانتفاضة

جمال عدوي

ذاكرة الأزمنة القديمة تخلدها أحاديث الناس وتخلدها أيضا الصور، ووسط توهج ذكريات كثيرة عبر سنوات خلت، لا يمكن للمرء نسيان احد الاحداث السياسية ذات التأثير الكبير.. وهو الحدث المتمثل بميلاد فجر للانتصار السياسي الشعبي بالسودان، حدث ذلك في شهري مارس وأبريل عام 1985، وهو حدث الانتفاضة التي أسقطت نظام نميري، ووقتها عايش من حضروا تلك اللحظات المستعصية على النسيان، كيف تمكن مدنيون عزل بامتداد وطن المليون ميل مربع حرية، ان يهزموا نظاما حكم البلاد لـ»16» عاما وظن قادته أنهم لن يهزموا.

في كل مرة أجرب ففيها تدوين لحظات تموض كالبرق في الخاطر، أستذكر أحداثا بعينها تظل خالدة. في معايشتي مع ابناء جيلي لتلك الاحداث، أتذكر كيف أعجبنا بنبض الانتصار الشعبي، ووقتها أحسسنا مع الآخرين بان المرحلة هي مرحلة لكلمة الشعب.

في سنوات نظام مايو الاخيرة يخلد المحللون توقيتا معينا يعتبرونه فاصلا في مسيرة ذلك النظام، وهو حدث سبق الانتفاضة الشعبية باعوام قليلة، ففي يناير 1982 شهدت شوارع عدة مدن رئيسية في السودان انتفاضة عارمة ضد النظام وسقط خلالها عدد من الشهداء، كان في مقدمتهم شهيد مدينة ودمدني(طه يوسف عبيد). وتحركت الجماهير وقتها بسبب ما اعتبروه استفزازا من النظام تمثل بزيادة سعر رطل السكر – وقتها – من 16 قرشا الى «26» قرشا!.

الكثيرون يرون ان «يناير 1982» بالسودان كان بروفة لاسقاط النظام بالضربة الشعبية القاضية بلغة رياضة الملاكمة!.

في 26 مارس أقدم نظام مايو بقيادة الرئيس الراحل جعفر نميري على زيادات لأسعار بعض السلع ليس من بينها سلعة السكر ولكن بينها الزيت والصابون ببضعة قروش!.

وسريعا ما اندلع الغضب الشعبي بدءا من منطقة أمبدة بأمدرمان (العاصمة الوطنية التاريخية للثورة المهدية في عهد الإمام محمد أحمد المهدي). وقام أناس غاضبون بإحراق «جمعية منطقة ودنميري» بأمبدة.

انتقل الغضب سريعا الى شوارع اخرى بالخرطوم ومدن اخرى وشارك طلاب جامعات ومعاهد عليا، في الثورة ضد النظام. وبعد ايام جاء استفزاز آخر من النظام تمثل في ماعرف بـ «مسيرة الردع» التي قال فيها قيادي بنظام مايو آنذاك متحدثا عن من ثاروا مطالبين بالديمقراطية: «سنطاردهم كالأرانب ونسحقهم كالعقارب!».

وخرج منشور شهير موقعا باسم نقابة اطباء السودان قال فيه الاطباء: قررنا الانحياز الى الشماسة»، وذلك عقب تسمية قادة بالنظام للمظاهرات الغاضبة بأنها «مظاهرات شماسة».

جمال عدوي