كتاب وأراء

ملامح عبر مسارات الحراك السياسي

وقائع الماضي في معطيات العمل السياسي، سواء في السودان أو في المحيطين الإقليمي والدولي ظلت تمثل مرتكزا مهما للمقارنات والتحليلات، ومن ثم استخلاص الدروس للحاضر والمستقبل.

في أوقات عديدة تابعت مع جيلي النظر إلى أحداث السياسة وسط انشغالات أخرى، ففي بداية الثمانينيات ونحن – وقتها – نخطو في بدايات الدراسة الجامعية كانت تستهوينا قضايا الفكر والأعمال الادبية والقراءات في علم النفس والفلسفة، اضافة الى الاهتمام بالرياضة وخاصة كرة القدم في عصورها الذهبية.

ولكن التقدم في الانخراط بمهنة المتاعب (الصحافة) افسح أمام جيلي المجال للتعرف عن كثب على سياسيين داخل السودان وخارجه، وفي الوقت ذاته كنا نستكشف آراء أهل الابداع والفكر والثقافة لمحطات السياسة.

الاهتمام بالمحيط الاقليمي كان يبدو ظاهرا في اهتمامات العمل السياسي بالساحة السودانية. دخول الجامعات والمعاهد العليا جعل العديد منا يختار الانتماء الى مجموعة سياسية ما، في سياق تفاعل الأيديولوجيات وقتها.

أول أسابيع دراستنا بكلية الآداب في جامعة مصرية بالسودان، وهي «جامعة القاهرة فرع الخرطوم» التي كانت هدية من القاهرة الى الخرطوم بمناسبة استقلال السودان في منتصف الخمسينيات، وتحولت الجامعة الى «جامعة النيلين» في عهد مرحلة الإنقاذ، أول تلك الاسابيع انشغل فيها الجميع بحدث سياسي مزلزل في ذلك الوقت « 6اكتوبر 1981» تمثل في ما عرف بـ «حادثة المنصة» التي اغتيل فيها الرئيس الراحل السادات.

الاهتمام بقضايا اقليمية تعمق في نفوس ووجدان الكثيرين وهم يحاولون التفاعل مع اختيارات الاحزاب السياسية عبر منابرها في الجامعة في بداية الثمانينيات.

التأمل المستمر للواقع السوداني في تأثره وتأثيره اقليميا، جعلنا نراجع دفاتر التاريخ القريب.

كان أحد أعمامي يحكي لي ضمن حكايات سياسية عديدة عن خرطوم الأمس أن مؤتمر قمة الصمود في الخرطوم بعد النكسة شهد ظاهرة محيرة تمثلت في حمل الجماهير بالخرطوم لسيارة ناصر.

الاهتمام أعادنا الى استكشاف توجهات الاحزاب السودانية منذ الاربعينيات الى مرحلة الاستقلال والعقود التالية لها.

الحزب الاتحادي الديمقراطي بسودان الاربعينيات والخمسينيات - مثلا -كان يضم اسماء حفرت مكانتها في تاريخ السودان من أمثال الازهري والهندي والسيد علي الميرغني. وكان توجه ذلك الحزب قائما في مرحلة النضال لتحقيق الاستقلال على المناداة بـ «وحدة وادي النيل».

توالت اعوامنا بالجامعة سريعا وشهدنا تغييرا خرطوميا مزلزلا تمثل بانتفاضة شعبية في ربيع 1985 أطاحت بحكم نميري.

وبعد أعوام اخرى شهدنا حدثا لم نكن نتوقعه هو حدث اغلاق جامعتنا نفسها.

بعد ذلك بدأنا نرى مؤشرات الخروج بكل اتجاهات الجغرافيا في ظل ما حدث من استقطاب سياسي حاد نتيجة للتجربة الجديدة في يونيو 1989 وإسدال ستار الأحداث على مرحلة حكم الاحزاب في ظل ما كان يطلق عليه بعض المحللين آنذاك «ديمقراطية ويستمنيستر بالسودان».!.



جمال عدوي