كتاب وأراء

ملفات الشرق الأوسط الساخنة .. الغموض سيد الموقف !

يجمع أغلب المحللين السياسيين على صعوبة قراءة المستـقبل القريب للشرق الأوسط فما بالك بالمستـقبل البعيد؟ ويؤكدون استحالة توقع مسارات الأزمات المتلاطمة من الموصل شرقاً إلى طرابلس الغرب مروراً بأس الأزمات، الأزمة السورية الملتهبة! وتـتعاظم الصعوبة بسبب التـفكيك السياسي الذي ضرب المنطقة بعنف جراء تداخل المصالح بين اللاعبين كبارهم وصغارهم علاوة على غموض السياسيين والتغير الطارئ في المزاج والقرارات السياسية! ومما يزيد الطين بلة أن الحراك السياسي العالمي يصب مزيداً من الزيت الساخن على نار الأزمات المشـتعلة ما ساهم في تحول منطقة الشرق الأوسط المعقدة أصلاً إلى مجال واسع لممارسة «لعبة الأمم» بأعنف وأشرس ما عرفـته المنطقة عبر تاريخها الدامي!
التـفكيك السياسي له دور بارز في تعقيد أزمات الشرق الأوسط، خاصة في دول الربيع العربي! في ليـبـيا، على سبـيل المثال، توجد حكومتان وبرلمانان وجـيش مستورد (فكره وتوجهاته وسلاحه من الخارج) وعشرات الميليشيات المتصادمة ما جعل الأزمة الليبية مثل برميل البارود المتـفجر يشعله ثـقاب صغير ولا توجد في الجوار سيارات إطفاء متمكنة! تـقـف ليـبـيا من بعد ربـيعها الفواح على شـفا جرف هار من التوتر السياسي ما يجعل توقع مآل الأزمة الليـبـية أشبه ما يكون بالكتابة على رمال الصحراء في يوم ريح عاتية!
التـغيـير السياسي كذلك له مفعوله السام في تعقيد أزمات الشرق الأوسط! والمثال الواضح لهذا التـغيـير ودوره في تعقيد الأزمة السورية نلاحظه من تـغـير موقف تركيا بعد المحاولة الانـقلابـية خاصة موقـفها من تعريف الدور الأميركي وموضوع المنطقة الآمنة والعلاقة مع الروس! وأميركا كذلك تـغير مواقـفها على مدار الساعة وكل يوم يأتي بجديد خاصة وأن إدارة ترامب مازالت تـتلمس طريقها ليس في موضوع الأزمة السورية بل في مجمل أزمات الشرق الأوسط! ولعل أبرز تـغير شهدته السياسة الأميركية بخصوص سوريا هو تـغير الموقف من دور الأكراد في الأزمة السورية الحالية ودورهم في سوريا الجديدة بل دورهم في المنطقة كلها! واليوم يقـف المحللون والسياسيون مشدوهين ليروا هل يتـغير الموقف الأميركي من الدور الإيراني في المنطقة؟ وهل يتـغير الموقف الأميركي من نـقاط الاتـفاق النووي مع إيران، المعلن منها والسري، خاصة تلك التي عصفت بالسياسيين والمحللين وعصفت بالمنطقة كلها؟!
ومما يزيد من تعقيد أزمات الشرق الأوسط وصعوبة توقع مساراتها هو تحول الشرق الأوسط إلى ملعب مكشوف يتأثر بالمستجدات والمماحكات على الصعيد الإقليمي والدولي! من أغرب الحقائق حول واقع الشرق الأوسط الغامض أن أزماته تـتأثر بالشد والجذب الدولي الصامت حول أوكرانيا مثلاً أكثر من تأثر الأزمة الأوكرانية نـفسها! بل حتى إن التوتر الذي يحدث في بحر الصين الجنوبي يلقي بتبعاته على أزمات الشرق الأوسط المنكوب! ومن أخر مصائب هذا الشرق نجد مثلاً أن الشد والجذب بين اليابان (وحلفائها) من جهة وروسيا من جهة أخرى حول جزر الكوريل قد يزيد من التعقيد والغموض في أزمات الشرق الأوسط، خاصة الأزمة السورية المتـشعبة!
وهذا الأمر ليس مستـغرباً فقد دفع الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالذات تكاليف باهظة جراء النزاع الدولي المرير سواء في الحربين العالميتين أو في الحرب الباردة وحتى في الحروب الاقتصادية العابرة! الجديد أن منطقة الشرق الأوسط، خاصة المنطقة العربية ستدفع المزيد من التكاليف العالية جراء الحرب الطائفية الجديدة التي تـقودها إيران وحلفاؤها، المعلن منهم والسري، وهنا مربط الأزمة! من الصعوبة بمكان توقع مستـقبل الأزمات في الشرق الأوسط، خاصة في بلدان الربيع العربي لأن هناك عناصر جديدة تـضاف إلى اللعبة كلما بدا أن ثمة ضوءاً في آخر النـفق!
ومن الجديد القديم الذي يؤثر على مسار أزمات المنطقة وقد بدأ الحديث عنه يتصاعد مع تصاعد قوى اليمين المتطرف في الغرب قضية «مصير المسيحيين» في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في دول الربيع العربي! المشكلة أن القلق الغربي حول المسيحيين في الشرق تـزامن مع أزمة الأقباط في سيناء ما يجعل العقل الغربي المشدود بدعاوي «الحرب على الإرهاب»! يتجاهل (عمداً) كيف عاش المسيحيون وغيرهم من الأقليات الدينية مئات السنين وهم في أمن وأمان في محيطهم العربي والإسلامي الكبـير! الشـغل الشاغل للسياسيين الغربيين أصحاب التوجهات المتطرفة هذه الأيام هو ركوب موجة الإسلام فوبـيا لبناء مواقف عنصرية ضد الشعوب في الشرق الأوسط وقضاياهم، وهنا مربط الأزمة الآخر! دائماً ما يتم ربط قضايا الشرق الأوسط التي تحتاج إلى حلول عملية وشاملة بقضايا ومسائل أخرى معقدة ومربكة مثل الطائفية والمذهبية ومصير الأقليات وتوازن المصالح الدولية، ما يجعل الغموض هو سيد الموقف!!
بقلم: د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي