كتاب وأراء

التوثيق في الرأي

حين يتصدّى كاتب الرأي لقضيةٍ ما،فإن عليه أن يكون ملمّاً بمعظم تفاصيل تلك القضية-إن لم يكن ملماً بكل تلك التفاصيل-فهو،والحالة هذه يكون بمأمنٍ من الغلوِّ والشَّطط..وهو ليس بالضرورة أن يكون محامياً عن الشيطان،أو ناكشاً في عش الدبابير،أو مروِّجاً لشائعاتٍ،أو راقصاً في زفَّةٍ،أو أحد ديوك المزابل،الذين يستهويهم الظهور بأي ثمنٍ،أو على غير أساسٍ.
الكاتب هو إنسانٌ وهبه الله ملكة التعبير،وهداه لأن ينقل أفكاراً يضفّرها غدائر تسعد الآخرين.وهو بهذا المفهوم:معلمٌ يحسن تحضير دروسه من مصادر أمينةٍ موثوقٍ بها،وينقلها لقرّائه بأسلوبٍ خبريٍّ،يبتعد عن لغو القول أو التعبير الإنشائي،فهو هنا معلمٌ،في مجتمعٍ يحرص على الاستزادة بالمعرفة الموثّقة،وليس بالزعيق والفُجر في الخصومة..
لذا يستحسن -بل يطلب-ممن يتصدون لتوجيه الرأي العام وإرشاده وترشيده،توخّي غاية الحذر والأناة،حين التصدّي لقضيةٍ عامةٍ،إختلفت فيها الآراءُ،وكثرت فيها لجاجة القول،قبيل إصدار أحكامهم،التي يجب أن تكون قائمةً على أسسٍ من الحقيقة التي لا يجادل فيها إثنان.
لا أتطرق إلى الضجة والصياح اللذيْن يشوِّهان جانباً كبيراً مما تحفل به الساحة العربية،ولكنني أرثي لحالة القارئ،الذي يُضطرّ في غالبية الأحيان إلى الإنحياز لفلانٍ،والطعن في صدقية آخر.ويقيني أنه لو توفّر الكاتب على البحث،عن الحقائق الموثّقة،ذات السند،فإنه -وبما حباه الله من موهبة في التعبير،وسهولةٍ في إيصال أفكاره- يستطيع أن يكون إضافةً للأخبار،ووسيلةً لفهمها،كما كان يفعل أساتذتنا الكبار:أحمد بهاء الدين،محمد حسنين هيكل،ومحمود الشريف ومدرستهم..
وفي تقديري أننا نعيش حالياً حالةً من الارتباك والتخبّط،وكلنا يتطلّع إلى إعلامٍ موضوعيٍّ ينقل الحقائق -مهما كانت مرارتها- ويوحّد الصفّ العربيّ في مشرقه،ومغربه،من خلال مهنيةٍ أمينةٍ،وحِيَدةٍ لا تسعى إلا إلى الكشف عن الحقيقة،فالإعلام هو أحد وسائل التربية المجتمعية،وبناء الأجيال..
آخر السطر:الضمير
صاحبٌ وسنان من طول السهرْ..كلما اذّكّرت ألفيه ادّكر
لا ينام العمرَ إلا ساعةً...فترقّبها وبالغ في الحذرْ
(عزيز باشا فهمي)
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل