كتاب وأراء

المركزية الغربية ورفض الآخر

لم تكن التطورات الأخيرة التي عرفتها العلاقات التركية الهولندية حدثا عرضيا طارئا بقدر ما يندرج ضمن سياق عام يقوم على تصوّر يعتبر الآخر المختلف ثقافيا مجرد تابع ولا يمكنه أن يكون في مقام الشريك المساوي. وربما هذا ما يفسر التلكؤ الأوربي في القبول بتركيا عضوا في الاتحاد الذي يظل في نظر بعض السياسيين الغربيين ناديا مسيحيا لا يمكنه أن يتحمل حضور قوة اقتصادية ذات جذور ثقافية مغايرة خصوصا إذا كانت تنتسب إلى الإسلام.
فعلى الرغم من الميراث الليبرالي الكبير الذي راكمه الغرب طيلة القرون الأخيرة فقد ظل في تعامله مع الآخر (خاصة المنتمي للحضارة الإسلامية) يملؤه التوجس والشك والريبة وهو أمر يمكن تلمّس آثاره في جملة من الأحداث التاريخية الكبرى بداية من حملات الاستعمار الأوربي ومرورا بالمواقف المؤيدة للوجود الصهيوني في فلسطين وانتهاء برفض دعم الثورات العربية المطالبة بالحرية والديمقراطية. فالفكر السياسي الغربي المهيمن على مراكز القرار لا يتقبل فكرة وجود منافس أو ندّ فضلا عن أن يكون شريكا ومن هنا حاول الغرب المهيمن تقديم قراءة مفترضة للآخر لا يمكنه التحرر منها. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى الإضافة المعرفية الكبرى التي قدمها المفكر والفيلسوف الفلسطيني إدوارد سعيد في تناوله لمسائل الاستشراق وعلاقة الثقافة بالامبريالية وتأكيده على أن الشرق كما يتصوره الغرب ما هو إلا اختلاق إيديولوجي لا صلة له بواقع الشعوب الشرقية. وأن هذا التصور ينطلق أساسا من إرادة الهيمنة والإخضاع لنجد أنفسنا أمام ثنائية الغرب من جهة وباقي العالم من جهة أخرى. فالفكرة الإيديولوجية الاستعمارية تقوم على أساس أن الغرب هو حامل الحضارة ورسالة التنوير لشعوب أخرى متخلفة في سائر المجالات.
وإذا كانت إيديولوجيا الهيمنة الغربية تحاول أن تجد لها مبررا ثقافيا وفكريا لممارسة أدوار الهداية وتأييد الهيمنة والسيطرة على الآخر المختلف فإن ما يثير الانتباه هو مواقف بعض المنتسبين لليبرالية في المنطقة العربية والإسلامية ممن هم في الواقع مجرد صدى لأصوات الهيمنة الصادرة عن المركز وهؤلاء في غالبهم ينحازون للقراءة الغربية سواء في التعامل مع قضاياهم الوطنية والقومية أو في تبرير المواقف الغربية مهما بدت مستهجنة وأحيانا عنصرية. فهذا الليبرالي التابع يتصرف بمقتضى الولاء للنفوذ الغربي أكثر مما هو يتصرف انطلاقا من تمثّل لفكرة الحرية في ذاتها، وهذا ما يفسر مواقف هؤلاء المنحازين ضد شعوبهم وتبريرهم لأشكال الطغيان والاستبداد بل ودعمهم لمنطق الانقلابات العسكرية ضدا لفكرة الليبرالية التي تقوم على الاعتراف بالآخر وتعلي من شأن الحرية وما تعنيه من تقرير المصير وحق الشعوب في إدارة شؤونها واختيار ممثليها بعيدا عن كل أشكال الوصاية والقمع.
إن منطق المركزية الغربية لا يقوم على منطق الهيمنة الشاملة على الآخر فحسب وإنما يسعى دوما إلى خلق مراكز قوى تابعة له في دول الهامش التي يحرص على عدم خروجها عن طاعته أو أن تصبح طرفا فاعلا ومؤثرا خارج الفلك الذي وضعه الغرب السياسي مجالا لحركتها. وقد كان واضحا وبصورة معلنة ومنذ المرحلة الاستعمارية محاولة الغرب إعادة تشكيل الآخر وصناعته بصورة تجعله فاقدا لكل مقومات الهوية المستقلة وهذا ما يفسر حالة التشنج التي تعبّر بها بعض القوى الحزبية الغربية عن مواقفها نحو كل محاولة للدول العربية أو الإسلامية للخروج من شرنقة التبعية. فالممارسة السياسية لدى صانعي القرار في الغرب ظلت تراوح مكانها في مرحلة ما بعد الاستعمار من حيث حرصها على دعم أنظمة معينة تمارس القمع ضد شعوبها ومساندة كل التوجهات الطائفية أو النعرات الانفصالية لدى الأقليات وهي لا تبدي اهتماما بالمسألة الديمقراطية بقدر اهتمامها باستمرارية الأنظمة التي تخدم مصالحها اقتصاديا وثقافيا. وهذا ما يفسر سر العدائية المبالغ فيها التي أبدتها بعض الدول الغربية ضد تركيا ورغبتها الثاوية في عودة هذا البلد إلى مربع الاستبداد العسكري بوصفه الضمانة لاستمرارية ولاء هذه الدولة للنظام الغربي المهيمن.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي