كتاب وأراء

بشائر الربيع

ملّت دويِّبات الأرض موجات الثلج المتلاحقة التي ضربت الشرق الكندي هذا الشتاء.. وكأنما أدركت بحسِّها الغريزيِّ أن الربيع طرق الأبوابَ المغلقةَ بتلال الثلج، الذي سدّ الطرقات ومنافذَ الغابات، فثارت عليه، وخرجت من بياتها الشِّتويِّ الطويل، وراحت تجري على الطرقات، بحثاً عن غذائها، وإعمالاً لسنّة الطبيعة في البقاء..
رأيت هذه البشائرَ في عبوري أحد الشوارع الحيوية HIGH WAY حيث تعوّدتُ وجودَ كثيرٍ من هذه الدُّويِّباتِ نافقاً على جوانب وأفاريز الطرق السريعة، لتعرُّضها إلى سياراتٍ مسرعةٍ، حيث تدفع حياتها ثمناً لرعونتها، وأكثر الدُّويِّبات تعرُّضاً لهذه المجازر حيوان الرّاكون، وهو حيوانٌ لاحمٌ، نتن الرّائحة، في حجم الأرنب الكبير، ويتميز ببطئه وغبائه، وشراسته، تماماً كما هم بعض خلق الله، المُستَفَزّون بطبعهم، والذين تتجمّع فيهم النقائص جرّاء الغباء المدقع، ولا أدري ما إذا كانت هناك علاقةٌ بين الراكون، والظَّرِبّاء التي عرفتها العرب في صحرائها.
ومن الدُّويِّبات الصغيرة حيوان القندس، وهو أشهر مهندسي الجسور، فيقوم بعملها، فوق الجداول وفروع الأنهار، وقد سعدتُ برؤية شيءٍ من إنجازاته، هنا،خلال جولاتي الصيفية في ربوع نوفاسكوشيا، التي تشتهر بجمالها الطبيعيّ الخلّاب، وتنوّع مظاهر الطبيعة فيها..
وآخر بشائر الربيع ما شاهدته قبل يوميْن في منتَجَعٍ ريفيٍّ يقع بين ساحل المحيط ولا نهائية الغابات.
في شارعٍ فرعيٍّ وفي الحديقة الأمامية لأحد البيوت هناك، تقدمت غزالتان شاردتان، وحينما اقتربت السيارة منهما، لمحت وراءهما أربع غزالاتٍ أخرى، وكلها كانت واقفةً ترنو بعيونها نحو الطريق غير وَجِلة، وعلى البعد، ظهر مزيدٌ من الغزلان.. تذكرت بيت شاعرنا القديم الذي تحدث عن تحريم صيد ظباء مكة:
- بيضٌ حمائمُ ما هممن بريبةٍ.. كظباء مكةَ صيدُهنَّ حرامُ..
في قبح الراكون، ورنة الغزال، تكمن الطبيعة، التي تتجمّل من خلال تلوُّن فصولها.. والربيع هنا يخترق جسور الاحتلال، التي أقامتها عواصف الشتاءِ، وذلك من خلال جنوده الذين اختبؤوا في بياتٍ شتويٍّ..
ترى: أيستيقظ جنود الأرض، ويفيقون بعد بياتهم الطويل؟
ما زلت أغني:
أنا الغريبُ، ولي في الكونِ أوطانُ
أحنو إليها، ونبضُ القلبِ حيرانُ
ما زال يخفق شوقاً في محبَّتها
هيهات يُلهيه بُعدٌ وهو ظمآنُ
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل