كتاب وأراء

مسلسل مذابح بشار.. ما المطلوب من المعارضة؟

لم تكن حادثة استثنائية أو منفصلة عن سياقها العام تلك التي شهدها خان شيخون، فقد استخدم نظام الطغيان في سوريا كل أشكال الأسلحة وأكثرها فتكاً وتقتيلاً ضد شعبه، بداية من التصفية الجسدية في المعتقلات، ومروراً بالبراميل المتفجرة، ووصولاً إلى أسلحة الدمار الشامل (غاز السارين ومادة الكلور).

وكان المبرر الذي يستند إليه في كل مرّة هو ذاته، إنه بصدد محاربة إرهابيين مفترضين وتصفية قوى معادية تهدد الأمن والسلم في المنطقة.
ولم يكن العالم غافلاً عمّا يجري ولا يمكن لعاقل أن يُصدّق أن الولايات المتحدة الأميركية لا تدرك ما يحصل على الأرض ولا تعلم تفاصيل الأحداث ومن المسؤول عنها بالأسماء والمواقع وهو ما ينطبق أيضاً على دول أروبية كبرى.
وحتى الأصوات التي ترتفع أحياناً وبشكل محتشم لإدانة ما يجري فإنها تظل ضمن حدود ضيّقة ويفتقر أصحابها إلى التأثير الفعلي على نحو ما نرى من إدانات المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان أو منظمة العفو الدولية.
وتعلّمنا التجربة التاريخية أن الدول الكبرى لا تهتم بحقوق الإنسان بقدر اهتمامها بحسابات القوة على الأرض، فقد عرفت البوسنة والهرسك على سبيل المثال في بداية التسعينيات من القرن الماضي مجازر بشعة وحالات تطهير عرقي غاية في الوحشية أسفرت عن تدمير قرى ومدن بأكملها، لعل أشهرها ما جرى في سربرينيتشا التي شهدت مذبحة شنيعة أودت بحياة ما لا يقل عن اثني عشر ألف مدني، ويومها ظل العالم بقواه الكبرى يتابع ما تفعله ميليشيات صرب البوسنة والعربدة العلنية التي يقترفها رادوفان كاراديتش وراتكو ميلاديتش ومن ورائهم سلوبودان ميلوسوفياتش، فكان الرد الأممي خافتاً بل وحصل تشكيك في عدالة القضية البوسنية واتهام الزعيم السياسي لجمهورية البوسنة والهرسك علي عزت بيغوفيتش بأنه يحاول ابتزاز عطف العالم عبر استغلال ما يجري من مجازر إعلامياً. ولم يمر عقد من الزمان حتى وجدنا قادة صرب البوسنة والرئيس اليوغسلافي نفسه أمام المحكمة الجنائية الدولية ولم يشفع لهم الحليف الروسي ولا الضمان الأميركي في اتفاق دايتون؛ حيث انتهى دور هؤلاء وطويت صفحتهم ولكن بعد أن تركوا خلفهم آلاف الأشلاء الممزقة.
واليوم نكاد نجد نفس المشهد يتردد صداه في سوريا، حيث تتكرر المجازر الجماعية المتنقلة واستخدام أسلحة محرمة دولياً ودعم روسي واسع لبشار وشبيحته وتستّر على جرائم ضد الإنسانية، وربما لن يحاكم بشار وزبانيته اليوم وقد تظل الحالة الدولية تسير نحو التشكيك في ما يجري وتحميل المعارضة القسط الأكبر ممّا يجري من أحداث مؤلمة ولكن الأكيد أنه في لحظة وصول القوى الكبرى إلى توافقات فقد نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي جديد في سوريا ترافقه محاكمات لمجرمين أمام المحكمة الجنائية الدولية وفي مقدمتهم بشار الأسد ومساعدوه.
غير أن تحولاً كهذا لا يمكن أن يجد طريقه للتحقق إلا بعد حصول جملة من التغييرات الأساسية أولها أن تتمكن المعارضة من تجميع صفوفها بعيداً عن الشرذمة وحالة الزعاماتية المفرطة وثانيها أن تقدم خطاباً مقنعاً للعالم بعيداً عن الشعارات الفضفاضة والمطالب غير الواقعية التي لا يمكن تحقيقها وأن تحسن استثمار نشاطها العسكري على الأرض من خلال قيادة سياسية حكيمة ومدركة لطبيعة المعادلات الإقليمية والدولية (على نحو ما كان عليه علي عزت بيغوفيتش أثناء حرب البوسنة وقدرته على الحفاظ على مصالح شعبه رغم حرب الإلغاء التي واجهها)، وبعد هذا يأتي دور العوامل الإقليمية التي رغم أهميتها البالغة بالنسبة للثورة السورية، فإنها قابلة للتغيّر والتعديل في إطار توازنات القوى الدولية ذلك أن المسألة الأساسية في العلاقات بين الدول لا تتعلق بالضمير الإنساني، وإنما هي تعبير عن حساب ذكي للمصلحة ليس أكثر، ويظل ما يجري اليوم اقرب إلى حالة من التواطؤ مع النظام السوري في جرائمه المتكررة ضد شعبه سواء عبر المشاركة المباشرة أو من خلال الصمت وكلاهما يساهم في إراقة الدم السوري دون توقف.
بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي