كتاب وأراء

تحية خاصة خالصة مخلصة إلى «صاحب السمو» لدوره الساهر وموقفه المثابر

تمسك قطر بثوابتها.. قادها لتحرير أبنائها

تمسك قطر بثوابتها..  قادها لتحرير أبنائها

بعد مرور أكثر من (16) شهرا على اختطافهم في العراق، بلد «حمـــورابي» ســـادس مــلوك «مملكة بابل» القديمة، صاحب أول قانون في العالم، وصانع أقدم الشرائع المكتوبة في تاريخ البشرية (1790ق.م)، التي تتضمن مجموعة من العقوبات لمن يتجرأ على خرق القانون، عاد المواطنون المختطفــــــون إلى أحضان وطنــــهم قطــر، بكل عزة وفخر، لتشكل عودتهم إلى عالـــــم الحريـــة، تتويجا للدبلوماسية القطـــرية، الفاعلة على كافة الصُعد الدولية، والمتفاعلة مع مواطنيها بكل القضايا الحياتية والمعيشية والانسانية.
.. وما من شك في أن تحــــرير أبنائـــنا المخطوفين التسعة عشر، وزملائهم الآخرين، بعدما أمضوا في الأسر عاما وأربعة أشهر، وعودتهم سالمين، يعد انتصارا دبلوماسيا إنسانيا وطنيا قطريا، حيث تعاملت قطر مع هذا «الملف الابتـــــزازي الانتهــــازي» بكــــل ما يحـــــفظ حياة المختطفين، ويضمن سلامتهم، وصولا إلى تحريرهم، من خلال الجهود الواقعية الحثيثة التي بذلتها، ونسجت تفاصيلها خيطا خيطا، وكتبت فصولها حرفا حرفا، وصاغت نهايتها سطرا سطرا، من خلال رهانها على الصبر، الذي كان عنوانا لإرادتها وإدارتها بكل حكمة في هذا الأمر، حتى آخر السطر!
.. وعلى مدى أكثر من عام من الاختطاف في الصحراء العراقية، في انتهاك صارخ للقوانين «الحمورابية» هناك في بادية السماوة، التي تشكل ثلث مساحة العراق، حيث المساحة الشاسعة، والأراضي الواسعة، ظلت قطر تسعى لإطلاق سراح أبنائها المخطوفين، الذين تم الاعتداء على حريتهم، والانقضاض على إنسانيتهم، منذ الثامن عشر من ديسمبر عام 2015، بعد دخولهم بطريقة شرعية، تمت بالتنسيق مع السلطات المعنية.
.. وخلال تلك الشهور، التي مرت علينا جميعا ثقيلة كالدهور، لم تترك قطر جهدا لم تفعله لتســــوية كل الأمور، وإعـــــادة مواطنيهـــا المخطوفين سالمين إلى وطنهم، بعدما تم اختطافهم بقوة السلاح، إثر قيام أكثر من مائة مسلح ينتمون إلى «ميليشيا عراقية» معروفة بولائها وارتباطها بإيران، على متن عشرات سيارات الدفع الرباعي باقتحام المكان الذي كانوا يتواجدون فيه، وتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة!
.. ولا جدال في أن المعاناة التي عاشها المخطوفون تتجاوز إطارها الإنساني، ولا يمكن وصفها بالإطار اللساني، إلا من خلال التأكيد بأن ذلك الاختطاف يعد عملا إرهابيا، وخرقا قانونيا، وانتهاكا إنسانيا، مخالفا لأحكام وشرائع الدين الإسلامي.
.. وخلال أيام الاختطاف المريرة، وأثناء تلك الشهور العسيرة، كانت تلك المحنة تشتد لكنها تشهد على صمود المخطوفين، الذين لم يفقدوا إيمانهم أولا بربهم، ثم بقـــدرة وطنـــهم، على فك أسرهم، واستطاعة دولتهم على تحريرهم، وإرادة قيادتهم على بذل كل جهد لإطلاق سراحهم.
.. وعلى الرغم من التعقيدات الكثيرة، التي أحاطت بهذه الأزمة الكبيرة، لم تتوان قطر عن بذل كل جهودها من أجل تحرير أبنائها، في إطار حرصها على سلامتهم، واستعادتهم سالمين لوطنهم وأسرهم.
.. وما من شك في أن تمســـــك قطر بثوابتـــــها، قادها إلى استعادة أبنائها، لتخرج دولتنا من هذا الملف المأســــاوي شـــديد الحساسية، بكل تشعباته الكثيرة، منتصرة بهيبتها، ومفتخرة بهبتها، ومنتشية بثباتها على موقفها، وحرصها على عزتها وعزة شعبها.
لقد تحركت قطر في كل الجهات، وسلكت جميع الاتجاهات للوصول إلى النتيجة التي تحقـــــقت، والتي ساهمت في إغــــــلاق ذلك الملــــف الضـــاغـــط، الـــذي جثم على صـــدورنا شــــــهورا طويــــلة، والذي تخللته الكثير من عمليات الابتزاز السياسي!
.. وإذا كان من تحية خاصة خالصة مخلصة، فإنني أوجهها إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفــــدى، تقديرا لدوره الســــاهر، وموقفه المثابر، ومتابعته الشخصية الدقيقة، ونظرته الأبوية الرقيقة، ووقفته الإنسانية العريقة، لهذه القضية لحظة بلحظة.
.. ولا بد أن أبارك «صاحب السمو» حكمته السديدة، وحنكته الشديدة، التي أثمرت عن إطلاق سراح أبنائنا المخطوفين، وعودتهم إلينا سالمين.
.. ويعكس حرص سموه على استقبال العائدين من قيود الاختطاف، على أرض المطار، إلى أي مدى يحرص «ولي الأمر» على سلامة رعاياه، ورعايتهم بكل ما تحمله هذه الرعاية من معان سامية، والعناية بهم، وتخفيف معاناتهم، والتهوين عليهم، بعد المحنة التي عاشوها، والأيام الصعبة التي عانوها، واللحظات القاسية التي شهدوها.
.. وما من شك في أن إمســــاك سمــوه بأياديهم يدا بيد، بقبضته القوية الحانية، يعكس مشهدا نادرا يؤكد أهمية المواطن في قطر، وحرص قيادته على حريته، وصيانة كرامته، وضمان عزته.
كما يعكس «المشهد الشاهد» أولوية الإنسان القطري في قائمــــــة الاهتمـــامـــات الأميرية، وتصـــــدره في مـــــقدمة الأولويات القطرية، بعكس ما يجــــــري في دول أخـــــــرى، يقوم فيها «النظام الحاكم» باستخدام «السلاح الكيماوي» ضد أبناء الوطن، لمجرّد أنهم يسعون لنيل حريتهم، دون أي اعتبار لإنسانيتهم، ودون أي تفريق لكبارهم وصغارهم، ودون أي تميز بين رجالهم ونسائهم!
.. وإذا كان لا بد من توجيه الشكر على إنهاء محنة المختطفين القطريين، الذين عانوا من الاختطاف في بلد «حمورابي» (صاحب أول قانون في العالم)، في عملية إرهابية، تنتهك القوانين الإنسانية، وتعتدي على المواثيق الدولــــية والعربية والأخـــوية، فإنني أوجهه إلى كل مسؤول قطري ساهم بدوره في إنجاز هذه العملية الوطنية الإنسانية، والوصول بهذه القضية إلى بر الأمان، مما أدى إلى تحرير أبنائنا المخطوفين وعودتهم سالمين إلى أهلهم وذويهم.
والتهنئة موصولة إلى أهالي المخطوفين، الذين لم يغمض لهم جفن على مدار الشهور الماضية، ولا طاب لهم رغد العيش، بعدما اكتوت صدورهم بنيران القلق على مصير أبنائهم.
.. ومثلما كان كل مواطن يشعر بالقلق البالغ على المخطوفين، لا يوجد قطري واحد لم تغمره موجات الفرح بعد الإفراج عنهم.
لقد عمت الفرحة كل أرجاء قطر من أقصاها إلى مداها، من الغرافة على طريق الشمال، حتى الوكرة في أقصى الجنوب، ومن الدوحة شرقا حتى دخان غربا.
.. ومع انقشاع «دخان» تلك الأزمة، لا بد من القول إن تحريـــر المخطوفين جاء انعكاسا لثوابتنا القطريــــــــة، التي تعطى الأولــــــوية في حل الأزمات بالوسائل الســـلمية وســـلك كــــل الطرق الدبلوماسية.
كمـــــــا أنـــه يعـــد ثمرة الجهــــــود الحريصــة والمساعي الحثيــــثة التي بذلتها قطــر على أكثر من مستــــــوى، تعاملت خلالها قيادتـــــنا وحكومتــــــنا برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني بالجدية المطلوبة، لعودة تلك الحرية المسلوبة، حيث شكل مسعاها الجاد، وإدارتها الحكيمة، ووقفتها الحليمة، مفتاحا أساسيا لحل تلك الأزمة، وتفكيك طلاسمها، وفك خيوطها، من خلال حرصها على سلامة أبنائها المخطوفين، وتمسكها بحقهم في الحرية.
.. وما من شك في أن الاتصال الهاتفي الذي أجراه معالي رئيس مجلس الوزراء مع نظيره رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي يعكس أخلاق القطريين، حيث وجه له الشكر على مساعيه في سبيل إطلاق سراح المختطفين، وعودتهم إلى أهلهم، فهذه هي الصفات القطرية التي يحرص من خلالها كل مواطن قطري على ترسيخ أواصر الأخــــوة العربية، وصيانة القيم القومية.
.. ولكل هذا ليس غريبا على قطر نجاحها في الإفراج عن مواطنيها المخطوفين في العراق، حيث يأتي هذا النجاح امتدادا لسلسلة طويلة من النجاحات التي حققتها الدبلوماسية القطرية في مجال هذه الملفات المعقدة، وأبرزها النجاح القطري في الإفراج عن المختطفين اللبنانيين في «اعزاز» قرب حلب، ودورها في إنهاء أزمة راهبات «معلولا».
بالإضـــــافة إلى نجـــــاح قــطر في إطـــلاق سراح (45) جنديا من جنود «فيجي» يعملون في قوات حفظ السلام، بعدما تم اختطافهم في الجانب المختل غير المحتل من الجولان السوري.
.. ولأن الدبلوماسية القطرية تنتهج سياسة «الباب المفتوح» فهذا سمح لها بإيجاد الحلول للعديد من الملفات المعقدة من خلال انتهاج أسلوب الحوار البناء، واحترام الشرعية الدولية.
.. ويبقى القول، إن الجهد القطري المبذول في قضية أبنائنا المواطنين المخطوفين في الصحراء العراقية، الذين تم الإفراج عنهم، كان يشبه العمل على تفكيك «عبوة ناسفة» قابلة للانفجار، وكان يمكنها إحداث الدمار، والتسبب بالكثير من الأضرار!
.. ولهذا لم يكن مسموحا أو مقبولا المغامرة بحياتهم، أو التضحية بأرواحهم، وعلى هذا الأساس تم التعامل مع هذا الملف بمنتهى الحكمة وغاية الحنكة وكامل الدقة، بعيدا عن اتخاذ القرارات الانفعالية، والمواقف الارتجالية، لأن وقوع أي خطأ في هذه القضية، مهما كان بسيطا أو صغيرا أو طفيفا كان كفيلا بنسف كل الجهود المبذولة للإفراج عنهم!
حفظ الله كل مواطن قطري من الشر.
.. وعاشت دولتنا قطر.
.. وعـاش «أميرنا تميــم» أغــلى البشـر.


بقلم:أحمد علي

أحمد علي