كتاب وأراء

علاقات ثنائية نموذجية تونس والدعم القطري

تشكل العلاقات التونسية- القطرية نموذجا للعلاقات الثنائية الناجحة والمتطورة على المستوى العربي، حيث لم يتوقف الدعم القطري لتونس طيلة عقود ولكنه شهد نقلة نوعية منذ دخول تونس مرحلتها الديمقراطية حيث حرصت دولة قطر على دعم التجربة التونسية ومدّها بأسباب النجاح على المستوى السياسي والاقتصادي خاصة.
وتأتي قطر في المرتبة الأولى عربيا والثانية دوليا من حيث حجم الاستثمار المباشر في تونس. وهي استثمارات متنوعة شملت قطاعات السياحة والاتصالات والعقارات. ويصل حجم الاستثمارات القطرية بتونس إلى ما يقارب 13 بالمائة من حجم الاستثمارات الأجنبية بالبلاد. بالإضافة إلى الدعم المباشر للدولة التونسية وبأشكال مختلفة حيث دعمت قطر سنة 2012 البنك المركزي التونسي بخمسمائة مليون دولار وديعة لدعم احتياطاته من العملة الأجنبية، وسنة 2013 تم الإعلان عن إنشاء صندوق الصداقة القطري للشعب التونسي حيث قدّم هبة تصل قيمتها إلى 100 مليون دولار من أجل إنجاز مشاريع مختلفة يستفيد منها الباعثون الشبان وهو ما ساهم في خلق 6600 فرصة عمل.
وبذلت قطر جهودا واسعة من أجل إنجاح «منتدى الاستثمار 2020» الذي نظمته تونس في أواخر سنة 2016 وتعهد حينها سمو أمير قطر بتوفير مبلغ يصل إلى مليار و250 مليون دولار لدعم الاقتصاد التونسي ومساعدته على النهوض والخروج من أزمته الطارئة. وبالفعل فقد أعلنت وزيرة المالية التونسية عن وصول تمويلات قطرية بتاريخ 18 ابريل 2017 قيمتها مليار دولار سيتم تخصيصها لدعم موازنة الدولة. وبهذه الصورة تكون قطر الدولة الأولى التي أوفت بتعهداتها من ضمن الدول التي شاركت في مؤتمر الاستثمار بتونس.
ويأتي الدعم القطري ضمن توجهات عامة رسمتها الحكومة القطرية بقيادة سمو أمير قطر حول أهمية دعم المسار الديمقراطي في تونس وإنجاح تجربتها الرائدة وحمايتها من مخاطر الانتكاس أو الوقوع في براثن الإرهاب. وكانت المقاربة القطرية لمسألة دعم التجربة التونسية تنطلق من خطوط عامة رسمها سمو الأمير تميم بن حمد حين أكد أثناء مشاركته في مؤتمر الاستثمار بتونس أن «نجاح برامج التنمية في تونس هو هدف بحد ذاته، لأنه يمكّن من خلق فرص عمل للشباب، من شأنها أن تساهم في حل مشكلة البطالة والوقاية من الظواهر السلبية التي ترتبط بها، ومنها اليأس والتطرف».
فالمقاربة القطرية لطبيعة علاقتها مع شقيقتها تونس تخرج عن منطق الحسابات المصلحية الضيقة من حيث أنها تتوجه نحو دعم الشعب التونسي في تجربته الديمقراطية بعيدا عن ربط مثل هذه المساعدات بنظام سياسي معين أو جهة حزبية محددة، وخلافا لدول عربية أخرى كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع نظام بن علي واتجهت بعد نجاح الثورة التونسية إلى تعليق أي مساعدات للشعب التونسي في تصور غريب يظهر وكأنه عقوبة لهذا الشعب على ثورته ورغبته في التحرر من الاستبداد والدكتاتورية، يأتي الموقف القطري كحصيلة لفكرة مركزية أساسها أن العلاقة مع الشعب هي الباقية وأن دعم تجربة التونسيين في انتقالهم الديمقراطي وبناء نظام سياسي يقوم على دولة الحقوق والحريات يستحق كل الدعم والمؤازرة وهو ما يخدم السلم الأهلي في كل المنطقة، وهي رؤية شاملة ما انفكت الحكومة القطرية تؤكد عليها في كل سياستها الخارجية.
والأكيد أن هناك مسافة فاصلة بين السياسة القطرية التي تولي اهتمامها بدعم التجارب الديمقراطية وتتوجه نحو مساعدة الشعوب الشقيقة وبين سياسات تتوخاها أنظمة لا ترى لها حليفا إلا أنظمة الاستبداد وحكام طغاة يغيرون مواقفهم وولاءاتهم بحسب مصالحهم الذاتية الضيقة وهذا فرق أساسي دون شك له آثاره على حاضر المنطقة العربية ومستقبلها.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي